دماء في محراب الجهاد لا تنفد
بقلم . عبدالقوي السباعي
وداعًا أيها الجرحُ النازف من القلوب، وتلك الآهات التي تملأ مآتم الوداع، في يومٍ ترتدي فيه أمة الإسلام وشاح الحزن والذهول، وهي تودع شهيدها الأسمى، الإمام السيد علي الحسيني الخامنئي، قائد ثورة المستضعفين الذي ارتقى في سموقٍ على طريق القدس.
واهٍ لهذا الغياب الطاغي الذي ينسكب دمعًا على محراب العز، حيث يغادر العالم الرباني والرمز الاستثنائي هذه الدنيا مكللًا بأعلى وسامٍ تمنّاه؛ وسام الشهادة في سبيل الله، ليُختم له بالحسنى كأجداده الطاهرين، مخلفًا وراءه حجةً بالغةً على الأمة، ونبراسًا يضيء دروب المجاهدين.
لم تكن غطرسة الأعداء الصهاينة والأمريكيين، عبر هذا الاستهداف الآثم لموقعه الديني والسياسي الرفيع، إلا محاولة يائسة لكسر إرادة الشعوب وإخماد صوت الحق، لكن غدرهم لم يزد هذا الدم الطاهر إلا اشتعالًا ليتحول إلى وقودٍ يغذي مسيرة المواجهة مع الظالمين.
السيد الشهيد الحجة، غادنا بعد أن أفنى عمره وحكمته مدافعًا صلبًا عن كرامة الأمة وثرواتها وسياستها، وختم حياته في الصفوف الأمامية للتصدي لمشاريع الهيمنة، ترك خلفه نهجًا عصيًا على الانكسار، وهذه التضحيات العظمى تشير إلى حتمية النصر القادم، وتؤكد بسنن التاريخ أن المشاريع الاستعمارية مصيرها الفشل، وأن كيان العدو إلى زوال.
على مدار ثلاثة عقود، رسّخ الراحل الكبير مكانة الجمهورية الإسلامية الإيرانية كدولة وازنة وقاعدة إسناد مركزية لحركات التحرر، وفي مقدمتها المقاومة الفلسطينية التي وجدت في مواقفه دعمًا استراتيجيًا في أحلك الظروف.
واليوم، يثبت هذا الاستشهاد العظيم صدق تمسك القيادة الإيرانية وشعبها الشجاع بمواقفهم الثابتة التي لم تزعزعها التهديدات، لتبقى إيران قلعة صلبة بوجه الطغيان وقادرة، بما تملكه من مؤسسات راسخة، على تجاوز المصاب وملء الفراغ القيادي واقتلاع الهيمنة الإمبريالية.
دماء الشهداء الذين ارتقوا ذودًا عن حياض الأمة وفي مقدمتها القدس والمسجد الأقصى ستتحول إلى قوة دافعة ومحركٍ لتعزيز الصمود، ولن تمنح العدو الصهيوني وداعميه أمنًا أو استقرارًا؛ فالفقد المرير هو فصل جديد من وعي الشعوب ووحدة خنادقها في جبهات الجهاد والمقاومة الموحدة.
وعهدًا لهذا القائد الملهم الذي انتصر للمستضعفين ونشر تعاليم الإسلام أن تستمر مسيرته، متمسكين بالصبر والوعي والثبات، مستلهمين من سيرته الجهادية العطاء الذي لا ينضب، والدعاء له بالرحمة والمجد والخلود في الفردوس الأعلى، مؤمنين بأن وعد الله بالنصر لن يتأخر.