إيران لا تغفر ولا تنسى
غفور كريمي
صحفي وناشط إعلامي من إيران
مع ظهور مذكرة التفاهم في إسلام آباد، يواجه العالم نموذجًا جديدًا لإدارة الأزمات يتجاوز مفهوم الاتّفاقات التقليدية؛ إنه تجسيد حقيقي لقوة الدبلوماسية الإيرانية الرائدة.
لقد صُممت هذه المذكرة بهيكل فسيفسائي ومعقد، يقوم على آلية الربط بين البنود ومبدأ العمل مقابل العمل؛ وهي آلية تضمن عدم اتِّخاذ أي خطوة دون رقابة، وعدم تقديم أي وعد دون ضمانات تنفيذية.
إن هذا الاتّفاق، الذي تم ضبطه بدقة رياضية لفترة الستين يومًا القادمة، يثبت أن الدبلوماسية الإيرانية أصبحت وسيلة لإعادة صياغة قواعد اللعبة.
لقد أثبتت إيران من خلال هذا النهج أن القوة الحقيقية تكمن في التفاوض، وفي الصمود على المواقف، والدفاع الشامل عن المصالح الوطنية، ووحدة الميادين، والتلاحم بين النظام والشعب، والقدرة على إرساء هياكل رقابية وقانونية تُجبر حتى القوى العظمى على احترام التزاماتها.
وعلى الجانب الآخر من الميدان، تواجه أمريكا أزمة وجودية في مجال “المصداقية السياسية” العالمية، محملةً بإرث ثقيل من نقض العهود المتكرّرة وتجارب مريرة من إثارة الحروب في خضم المفاوضات.
إن سلسلةَ السلوكياتِ الأمريكية غير المتوقعة في السنوات الأخيرة، بدءًا من انتهاك المعاهدات الدولية وُصُـولًا إلى استخدام لغة القوة كأدَاة وحيدة للحوار، قد أَدَّت إلى تآكل تدريجي وغير قابل للاسترداد لمصداقية واشنطن في الفضاء السياسي العالمي.
وهذه الأزمة من فقدان المصداقية بدأت تلقي بظلالها على الحكومات الأُورُوبية، التي تحولت بفعل تبعيتها للسياسات الأمريكية إلى نماذج لفقدان السيادة والإرادَة الوطنية.
واليوم، في عالم يشهد تحولًا في معايير القوة، لم تعد أدوات القوة والعقوبات قادرة على فرض نظام قسري.
إن أمريكا، باعتمادها على الدولارات غير المدعومة والقوة العسكرية، تتجه من قمم القوة الوهمية نحو زوال وانهيار هيكلي؛ فالسلطة التي تُبنى على انعدام الثقة لا يمكنها الصمود أمام تقلبات العالم الجديد.
في خضم هذا التحول، يتغير موقع إيران في المنطقة والعالم بشكل جذري.
فمن خلالِ تحويل المقاومة إلى مبدأ دبلوماسي، أثبتت إيرانُ أن المقاومةَ تعني الوقوف في وجه الضغوط غير القانونية وتحويلها إلى فرصة لبناء مصداقية عالمية.
ومن خلال الإدارةِ الذكية لمذكرة التفاهم هذه، تعملُ إيران على تعزيز مكانتها كقطب للاستقرار ولاعب رئيسي في المنطقة.
إن هذه العمليةَ الحديثة هي في الواقع تمهيدٌ لمسار تصبح فيه المصداقية هي الحاكمة بدلًا من القوة، والدبلوماسية هي القائدة بدلًا من التهديد.
إن إيران، عبر هذا الحراك، تؤسِّسُ لنموذجٍ جديدٍ للقوة؛ قوة تجذب الثقة العالمية من خلال إرساء هياكل مستقرة وموثوقة.
أما رسالة إيران إلى الجيران والدول العربية، فهي رسالة تجمع بين الحزم والواقعية السياسية.
تعلن إيران صراحة أن عصر الصمت تجاه المؤامرات التي تتم عبر الشراكة في العداء ضد الشعب الإيراني وجبهة المقاومة قد ولّى.
إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لن تقفَ صامتةً أمام أي مسعى يهدف إلى إضعاف أمن المنطقة ودعم أعداء الشعب الإيراني.
ومع ذلك، وفي الوقت ذاته، تمد إيران يد الصداقة إلى جميع جيرانها المسلمين من منظور استراتيجي بعيد المدى؛ لإيمانها العميق بأنه في الجغرافيا السياسية، لا توجد قوة في العالم قادرة على تغيير الحدود أَو التفريق بين الجيران.
إن إيران لا تغفر ولا تنسى، لكنها مستعدة لإعادة بناء العلاقات مع جيرانها، حتى أُولئك الذين تستضيف أراضيهم أعداء الشعب الإيراني وأعداء العالم الإسلامي، والذين يفتقرون إلى السيادة السياسية لطرد هؤلاء الأعداء.
إن هدف إيران هو تحويل الخليج إلى مساحة نظيفة وآمنة ومحرك للتقدم لجميع دول المنطقة.
لقد حان الوقت لتخرج دول المنطقة من دوامة التبعية للقوى البعيدة ومن الشراكة مع الأجانب الذين لا يهدفون إلا لإثارة الفتن والحروب.
يجب ألا يكون الخليج ساحة لعب للأجانب، يجب أن يكون القلب النابض للتعاون الإقليمي ومهد السلام المستدام.
إن إيران، بالاعتماد على دبلوماسيتها القوية، مستعدة لتمهيد الطريق في هذا المسار الجديد لاستعادة الاستقرار والمصداقية في المنطقة.