بقلم. أحمد الضبيبي

بين محاريبِ الفكر وميادين المواجهةِ المصيرية، لم يعدِ الإعلام ترفًا معرفيًّا أَو ناقلًا محايدًا تتقاذفه أمواج الحدث، فقد غدا القطبَ الأَسَاسَ الذي تصاغ في مطابخه هُوياتُ الأمم، وتُحسَمُ عبر نوافذه معارك البقاء.

حَيثُ إن الرسالة الإعلامية اليوم تقفُ على شفير أخطر الثغور الحضارية، حَيثُ تتشابكُ خطوط المواجهةِ في حرب الوعي المصيرية، ليصبح المنبر بنادق العقول المشحوذة، وتغدو الكلمة مقامع للباطل وقذائف للحقّ الأبلج.

وفي طور تاريخيٍّ استثنائي، تمور فيه الأحداث موجًا، وتتلاطم فيه أمواج التحدياتِ والتحولات العاصفة، لم يكن غريبًا ولا بدعًا أن يفرد السيد القائد يحفظه الله للملف الإعلاميِّ مساحةً توجيهية غير مسبوقة، تجلَّت في ثلاث محاضرات متتالية، تماهت فيها دقة التشخيص مع عمق المعالجة في سابقةٍ هي الأولى من نوعها بهذا الزخم والتركيز الشديد.

هذا الاهتمام النخبويّ لم يكن مُجَـرّد إرشاداتٍ وحسب، إنما هو إعلانٌ صريحٌ لثورة مفاهيم شاملة، وإعادة هندسة لعقيدة الإعلام الرسمي، لينتقل من ضيق السرد الخبريِّ الهزيل، إلى رحاب صناعة الوعي وبناء الحصانة الوجدانية والتحصين النفسيِّ للأُمَّـة.

المسؤولية الإعلامية في الرؤية القيادية السديدة هي رسالةٌ عظيمة، وواجب جهاديّ مقدس، يتبوأُ فيه الإعلامي ثغرًا من أشدّ الثغور حساسية وجسامة،

وتتبدى أبعاد هذه المسؤولية العميقة في محاور وجوديةٍ رائدة من خلال حراسة الوعي المجتمعي والوقوف سدًّا منيعًا أمام جحافلِ التضليل الممنهج، وغسيل الأدمغة الذي تمارسه ماكيناتُ الأعداء؛ بغية تزييف الحقائق وتطبيع الهزيمة النفسية في وعي الأُمَّــة، والالتزام بالمبدئية والمصداقية الناصعة.

فالكلمة في الميزان القياديِّ موقفٌ يترتب عليه مصير أُمَّـة، وصوت الحقّ هو السلاح الأمضى في مجابهة غطرسة الباطل، وترياقٌ ناجحٌ يُبْطِلُ سموم الزيف الاستعماري من خلال الالتحام العضويّ بقضايا الأُمَّــة المصيرية بحيث تصبح آلامُ الشعب، وآماله، وتطلعاته المشروعة هي المحرك الأَسَاسيَّ والدينامو الفاعل لكل نتاجٍ فكريٍّ أَو مادةٍ إعلامية، لتثبت الأيّام أن قوة الحق الخالصة هي المنتصرةُ على شراسة العدوّ الأمريكي والصهيوني وأدواتهم.

وفي سياق متصل يأتي الإعلامُ كصمامِ أمان كينونيّ في هندسة النسيج المجتمعيِّ وتجذير الهُوية الإيمَـانية في زمنٍ تكالب فيه الأعداء وعمدوا إلى تفتيت المجتمعات، وتقطيع أوصالِها عبر بثّ سموم الشائعات الطائفية، وهنا ينبثقُ دورُ الإعلامي الحاذق كمهندسٍ حريصٍ على النسيج الاجتماعي، وصمام أمان لحماية الهُوية الجامعة، حَيثُ يتجلى هذا الدور في مسارات الترسيخ القيميِّ والديني المقاوم عبر استدعاء قيم الإخاء، والتكافل، والعدالة المتجذرة في هُويتنا الإيمانية، وتحويلها من خانة التنظير البارد إلى سلوكٍ مجتمعيٍّ معاش يحرك الحياة وإعلاء سنام المصلحة الوطنية العليا من خلال ردم فجوات الخلاف البيني، وتركيز الضوء على القواسم المشتركةِ الكبرى التي تجعل أبناء الوطن في صفٍّ واحدٍ ضدّ الأخطار الوجودية، وكذا تحصين الجبهة الداخلية من التخلخل عبر التفكيك العلميِّ للشائعات، وكسر الأمواج الارتدادية للحرب النفسية، ونشر قيم التضامن التي تجعل المجتمع كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضًا.

لم يعد الإعلام مُجَـرّد مرآة تنعكس على صفحتها الأحداث السياسية والعسكرية فحسب، فقد أرست الموجِّهاتُ القيادية قاعدةَ كونِه شريكًا عضويًّا في معركة البناء والانعتاق من التبعية من خلال تحقيق الاكتفاء الذاتيِّ وذلك يتطلَّبُ ثورةً ثقافية وسلوكية عارمة يقود زمامَها الإعلامُ عبر تخليق ثقافة الإنتاج، وتبديل النظرة المجتمعية القاصرة من الاتكالية الاستهلاكية المذلة، إلى عقيدة الاعتزاز بالإنتاج المحليِّ والاعتماد الشامل على الذات كعنوانٍ للسيادة والكرامة.

إنّ الانتقالَ بالمنظومة الإعلامية الرسمية من ضيق العفوية والارتجال إلى رحابة الفاعلية والاستراتيجية المثمرة، يستلزمُ هندسةَ رؤًى إعلامية مبنية على نظرياتٍ اتصالية علمية وقواعد راسخة، تكون قادرةً على قلب الموازين الفكريةِ لمصلحة تنزيل موجهات القيادة، حَيثُ يتحقّق هذا التحولُ البنيويُّ عبر الانطلاق من الهدى القرآني كمرجعية صُلبة لا تهتز، يقاس عليها الخطاب وتشتقّ منها المفاهيم وصبغ الخطاب الإعلاميّ بأصالة الهُوية وتحصينه من الانحراف وتوظيف نظريات ترتيب الأولويات، وهندسة الإقناع، وصناعة الرأي العام وتفكيكُ شفرات الخطاب المضاد، وبناء سردية الإعلام المبادر لا الارتدادي، من خلال صياغة الأجندة الإعلامية الوطنية وفرضها بقوةٍ واقتدار في الساحة.

فالإعلام في ميزان الأمم الحية ليس تعليقًا عابرًا على وقائع الأيّام، بل صناعةٌ للتاريخ، وتشكيلٌ للمستقبل، وغرس دائم لروح الأمل والثقة والصمود ولم يعد الإعلاميّ في هذه الملحمة الحضارية مُجَـرّد شاهد يرصد الأحداث، بل أصبح صانع الوعي، وحارس الهُوية، وفارس الكلمة الصادعة بالحق، وقلعة الصمود التي تتحطم على أسوارها حملاتُ التضليل وأمواجُ الاستلاب.

إنها معركة الوعي الكبرى..

المعركة التي ينتصر فيها مداد الحقيقة على ضجيج زيف الباطل، وتبقى فيها الكلمة الحرة حجّـة بالغةً تقطع دابر الزيف وتخلد موقف الأحرار.