تفكيك برنامج التدجين الصهيوني ومسؤولية الأمة.. قراءة في أبعاد الخطاب القرآني والتوعوي للسيد القائد
تفكيك برنامج التدجين الصهيوني ومسؤولية الأمة.. قراءة في أبعاد الخطاب القرآني والتوعوي للسيد القائد
تقرير | علي الدرواني
في ظلال هذه الأيام المباركة، أطل علينا السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله في خطابه، الاثنين، حاملاً على عاتقه هموم أمةٍ مثقلة بالجراح، ومتطلعاً في الوقت ذاته إلى رفعتها، وتقدمها، واستعادة سؤددها وكرامتها، ومن موقع المسؤولية الواعية، يستعرض السيد في حديثه تفاصيل الواقع الإقليمي والدولي المعاش، مفككاً بحرفية خلفيات الهجمة الشاملة التي تقودها الصهيونية العالمية وأدواتها ضد المقدسات والشعوب المسلمة.
وفي غمرة هذا التشخيص الدقيق، يطلق تحذيرات قوية وصريحة من مغبة التخاذل، والجمود، والركود التي توشك أن تحول أفظع الجرائم بحق شعوب أمتنا ومقدساتها إلى واقع روتيني، مؤكداً أن العزة والكرامة لا تستعادان إلا بالتحرك المسؤول والتمسك بعوامل القوة المعنوية والمادية.
وفي حين يركز السيد القائد على الأهمية الروحية والأخلاقية لشهر ذي الحجة ومناسباته (الأيام العشر، عيد الأضحى، تكبيرات التشريق، وحجة الوداع)، يرى أن فريضة الحج جرى تفريغها وتأطيرها بعوائق تمنع المسلمين من الاستفادة منها في ترسيخ الأخوة وتحمل المسؤوليات الجماعية كإقامة القسط والجهاد، كما يربط السيد يحفظه الله بين الارتقاء الإيماني وبين الفوز بالتسديد الإلهي لمواجهة المخاطر الاستثنائية التي تحدق بالأمة الإسلامية.
للإجابة على هذا السؤال، يقول السيد القائد : إن: “تلك الإساءة بقدر ما تعبِّر عنه من حقد اليهود، وأذنابهم الصهاينة، على الإسلام، والمسلمين، والمقدَّسات الإسلامية، هي تكشف عن انزعاجهم الشديد من القرآن، الحركة اليهودية والصهيونية وكل أذنابها الصهاينة، تجد في القرآن الكريم أكبر ما يمكن أن يحصِّن الأمَّة الإسلامية والمجتمع البشري من شرَّها، وفسادها، وطغيانها، وإجرامها، واختراقها، هم يدركون أهميَّة القرآن الكريم، وأنَّ المجتمع البشري بشكلٍ عام، والأمَّة الإسلامية على نحوٍ أخص، ومن يعي من أبناء الأمَّة الإسلامية عظمة القرآن”.

تؤكد هذه العبارة المحورية أن الهجمة الصهيونية الممنهجة على القرآن الكريم تنبع في الأصل من وعي الأعداء العميق بخطورة هذا الكتاب على مشاريعهم.. فالمنظومة الصهيونية وأذنابها لا ينطلقون في إساءاتهم من موقع القوة، بل من حالة انزعاج شديد وقلق عميق من القوة الكامنة في النص القرآني وآياته الكريمة، فهم يدركون أن القرآن الكريم يمثل الحصن الفكري والمعرفي الأكبر الذي يمتلك القدرة على تحصين الأمة الإسلامية والمجتمع البشري بأكمله من مساعي الإفساد والتضليل والاختراق الصهيوني. ومن هذا المنطلق فإن محاولات التشويه والتدنيس تستهدف منع أبناء الأمة من العودة الواعية للقرآن كمنهج هداية وعمل، لأن هذه العودة كفيلة بكشف حقائق الأعداء وفضح مخططاتهم، وبناء أمة قوية، واعية، وعصية على التدجين والتبعية.
يحذر السيد القائد بشدة من تحول أنباء الإساءة للقرآن (كالإحراق والتدنيس في أمريكا) إلى أخبار روتينية، معتبرا أن السكوت عنها علامة على ترويض الأمة، وتدجينها، وسلبها كرامتها وإنسانيتها، لأن تلك الإساءات ليست تصرفات فردية عشوائية، بل برنامج صهيوني منظم يهدف إلى قياس مدى ارتباط المسلمين الوجداني بمقدساتهم، وفصل الأمة عن القرآن الكريم باعتباره مصدر قوتها وحصنها المعرفي الذي يكشف مؤامرات الأعداء. وبناء على ذلك يؤكد السيد أن الانتهاكات بالنسبة لليهود هي:” مقياسٌ مهم، يقيسون به مستوى العلاقة الإيمانية الوجدانية للمسلمين بالقرآن الكريم، الذي هو أقدس المقدَّسات الإسلامية، وفعلاً هو مقياس مهم، إذا وصل حال المسلمين إلى درجة اللامبالاة، وعدم الاهتمام أصلاً، وعدم الانزعاج حينما يسيء أولئك المجرمون، الكافرون، الصهاينة، اليهود، الأشرار، الطغاة، المفسدون في الأرض، يسيئون إلى القرآن بأسوأ الإساءات، فيصل حال الأمَّة ألَّا تبالي، ولا تنزعج، ولا تغضب، ولا يحصل من جانبها أيّ ردَّة فعل تجاه ذلك، هذا مؤشِّر يكشف عن الضعف الكبير لعلاقة هذه الأمَّة بالقرآن الكريم، بمستوى التقديس لهذا المقدَّس العظيم، لهذا النور المبارك، لهذا الكتاب العظيم، وهي حالة خطيرة، الواقع يكشف فعلاً إلى ضعف كبير في علاقة الكثير من المسلمين بالقرآن الكريم، أنَّهم لم يعودوا يحملون له القدسية العظيمة، ولم يعودوا يشعرون بالارتباط الوثيق بهذا الكتاب، وما يمثله من أهميةٍ بالنسبة لهم في هذه الدنيا وفي الآخرة؛ ولهذا يصل الحال بالكثير منهم إلى عدم الاهتمام أصلاً بالموضوع، وكأنه موضوع لا أهمية له إطلاقاً.”

ومن خلال التركيز على ازدواجية المعايير الغربية، ينتقد في هذا الخطاب حماية الغرب لهذه الجرائم تحت لافتة حرية التعبير، في حين تقمع وتنكل الأجهزة الأمنية الأمريكية والأوروبية بالحركات الطلابية والاحتجاجات السلمية المتضامنة مع الشعب الفلسطيني، “من خلال سماحهم بتلك الممارسات، وحمايتهم لها، ينشرون الشرطة لتحمي أولئك الذين يرتكبون تلك الجرائم المسيئة إلى القرآن الكريم، ويسمُّون ذلك أنَّه من باب [حُرِّيَّة التعبير]، مع أنَّ المسألة ليست تعبيراً، التعبير هو باللسان، التعبير: كلام أو كتابة تعبِّر عن اللسان؛ الاعتداء على المصحف هذا اعتداء مباشر، فعل، جريمة فعلية، مع أنهم هناك- مثلاً- في الغرب، هم يلغون ويشطبون نهائياً حُرِّيَّة التعبير حينما تكون المسألة التعبير عن التضامن مع الشعب الفلسطيني المظلوم، تجاه الجرائم الصهيونية اليهودية والأمريكية والإسرائيلية ضده”.

يقول السيد إن الشيء الواضح هو: ” أنَّ العالم الإسلامي المترامي الأطراف، وأمة الملياري مسلم، بكل ما يمتلكونه من إمكانات هائلة، لا يتَّخذون حتى أبسط المواقف والخطوات تجاه تلك الإساءات، فلا موقف سياسي، ولا موقف اقتصادي، ولا أي موقف مما بوسعهم أن يعملوه، يعني: هناك خيارات عملية كثيرة، يمكن للأمة الإسلامية بحكوماتها، وأنظمتها، وشعوبها، أن تتَّخذها، مثل: المقاطعة الاقتصادية، المقاطعة السياسية… مواقف كثيرة جداً، مما هي متاحة تماماً، متاحة تماماً، وفي نفس الوقت مؤثِّرة وضاغطة، ضاغطة إلى حد كبير على الأعداء”.
وهكذا بكل ألم يتوقف السيد عبدالملك الحوثي، عند انعدام الإرادة السياسية والاقتصادية العربية والاسلامية في الرد على جرائم الانتهاك للمقدسات، ويستنكر عجز أمة الملياري مسلم عن اتخاذ خطوات عملية ضاغطة ومتاحة (كالمقاطعة الاقتصادية والسياسية)، مستنتجا أن تلك التخاذلات هي التي تغري وتطمع الأعداء في استضعاف الشعوب والاستيلاء على ثروات الأمة وموقعها الجغرافي. فالتواطؤ والخذلان الذي تعاني منه الامة اليوم لم يجلب عليها سوى بقاء الأنظمة العربية والاسلامية تحت الهيمنة الغربية، بل أصبحت تتبنى الإملاءات الأمريكية، وتمارس ضغوطاً إعلامية وسياسية لتشويه صورة المقاومة ونزع سلاح المقاومة في غزة ولبنان، بدلا من دعمها باعتبارها خندق الدفاع الأول عن المنطقة.

يضع السيد عبدالملك الحوثي يحفظه الله، موضوع الإساءات إلى القرآن والمقدسات جنبا إلى جنب، كجزء من مخططات خبيثة تستهدف الأمة في حاضرها ومستقبلها، وحتى تاريخها، وليست أحداثا منعزلة بعضها عن بضع، بل تعمل بشكل متناسق يكمل بعضه بعضا، لتحقيق الأهداف المشتركة بما يسمى بـ”إسرائيل الكبرى” كهدف مشترك للصهيونية وأذرعها الأمريكية والإسرائيلية وأدواتها في المنطقة والعالم، حيث تتكامل المخططات والهجمات على الأمة العربية والإسلامية في نسق موحد، فالعدوان العدوان العسكري والضغط الأمني يمثل الأداة الصلبة لكسر إرادة الشعوب وتدمير مقوماتها، بينما يتكفل الحصار الاقتصادي والتجويع بإنهاك المجتمعات وإشغالها بالبحث عن قوت يومها عن التطلع للحرية والاستقلال. ليتحقق للأعداء تفكيك البنية المادية والمعنوية معاً، وإزاحة أي عائق حضاري يحول دون بسط الهيمنة الصهيونية الكاملة على المنطقة وثرواتها.
موقع أنصار الله.
تأتي الإساءات المتكررة للقرآن الكريم، وتصاعد الانتهاكات الممنهجة للمسجد الأقصى والمقدسات في القدس الشريف، لتؤكد أنها ليست مجرد حوادث فردية أو تصرفات عشوائية، بل هي جزء لا يتجزأ من مخطط صهيوني خبيث ومدروس يستهدف ضرب الهوية الوجدانية للأمة الإسلامية وتدجين روح الإباء فيها، يسعى هذا المخطط إلى فصل المسلمين عن مصادر قوتهم المعنوية، والعمل على محاصرة وإضعاف دورهم الريادي والحضاري المفترض في قيادة المجتمع البشري، فالمنظومة الصهيونية تدرك تماماً أن العودة الواعية لتعاليم الدين الإسلامي كفيلة بإحباط مشاريع الهيمنة والإفساد، كونه الدين الذي أراد الله له أن يكون رسالة السلام العالمي والخلاص النهائي للبشرية جمعاء، والمنهج الكفيل بإخراج الإنسانية من ظلمات الشيطان والطغيان إلى نور العدل والقسط والإيمان.