الشعب اليمني في مواجهة مشروع الاستباحة الصهيوأمريكي.. دلالات الثبات وأبعاد الموقف
في لحظة تاريخية تعيش فيها المنطقة العربية واحدة من أعقد مراحلها السياسية والأمنية، يبرز الموقف اليمني بوصفه حالة استثنائية في معادلة الصراع مع المشروع الصهيوأمريكي، ذلك المشروع الذي يسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة بما يخدم الهيمنة الغربية ويؤمن التفوق الإسرائيلي على حساب شعوب الأمة وقضاياها المصيرية، ورغم سنوات العدوان والحصار والأزمات الاقتصادية والإنسانية التي أثقلت كاهل اليمنيين، إلا أن الشعب اليمني ظل محافظاً على موقفه المبدئي والثابت تجاه قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، رافضاً الانخراط في مسارات التطبيع أو الاستسلام أو الانكفاء الداخلي، وهو ما منح هذا الموقف أبعاداً تتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية إلى فضاء الأمة بأكملها.
أعده للنشر | طارق الحمامي
اليمن وموقعه في خارطة الصراع
لا يمكن فهم طبيعة الموقف اليمني دون إدراك الأهمية الاستراتيجية لليمن في معادلات المنطقة، فاليمن يشرف على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، ويمتلك موقعاً جيوسياسياً بالغ الحساسية، الأمر الذي جعله هدفاً دائماً لمشاريع الهيمنة الخارجية، ويرى محللون أن المشروع الصهيوأمريكي لا ينظر إلى اليمن باعتباره مجرد دولة تعاني من وضع اقتصادي صعب ، بل باعتباره عقدة استراتيجية ينبغي إخضاعها لضمان أمن الكيان الإسرائيلي وتأمين المصالح الغربية في البحر الأحمر وباب المندب والمنطقة المحيطة، ومن هنا، فإن استهداف اليمن سياسياً وعسكرياً وإعلامياً لم يكن منفصلاً عن رؤية أشمل تهدف إلى تفكيك أي بيئة شعبية أو سياسية تحمل موقفاً معادياً للهيمنة الإسرائيلية والأمريكية في المنطقة.
ثبات الموقف الشعبي رغم التحديات
اللافت في المشهد اليمني أن سنوات العدوان الطويلة لم تؤدِّ إلى تراجع المزاج الشعبي تجاه قضايا الأمة، بل أسهمت في تعزيز حالة الوعي الشعبي بخطورة المشروع الخارجي وأهدافه،
فعلى امتداد السنوات الماضية، استمرت الفعاليات الجماهيرية والمسيرات الشعبية والأنشطة التعبوية المؤكدة على مركزية القضية الفلسطينية ورفض الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، في مشهد يعكس حالة ارتباط وجداني وعقائدي عميق بين الشعب اليمني وقضايا الأمة، ويرى مراقبون أن هذا الثبات الشعبي يحمل دلالات مهمة، أبرزها أن محاولات إخضاع الشعوب عبر الحصار والتجويع والضغوط الاقتصادية لا تنجح بالضرورة في كسر الإرادة الجمعية عندما تكون القضية مرتبطة بالهوية والكرامة والسيادة.
البعد الحضاري والثقافي للموقف اليمني
لا يقتصر الموقف اليمني على كونه موقفاً سياسياً أو آنياً، بل يرتبط بجذور ثقافية وحضارية عميقة تشكلت عبر التاريخ اليمني والإسلامي، فاليمنيون ينظرون إلى معركة الأمة مع المشروع الصهيوني باعتبارها معركة وجود وهوية، وليست مجرد خلاف سياسي عابر، ولهذا تحضر مفاهيم الكرامة والاستقلال ورفض الوصاية الخارجية بقوة في الخطاب الشعبي والإعلامي والثقافي، كما أن المسيرة القرآنية المباركة أسهمت في تشكيل الوعي الشعبي تجاه خطورة مشاريع الاختراق الثقافي والتطبيع أسهم في خلق حالة من المناعة المجتمعية تجاه محاولات إعادة تشكيل الوعي العربي بما يتناسب مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
دلالات الالتفاف الشعبي
من أبرز ما يكشفه المشهد اليمني هو استمرار الالتفاف الشعبي حول القيادة القرآنية وتبني خيار مواجهة الهيمنة الخارجية، رغم الكلفة الكبيرة التي تحملها المجتمع اليمني، ويشير محللون إلى أن هذا الالتفاف يعكس إدراكاً شعبياً بأن معركة السيادة الوطنية مترابطة مع معركة الأمة الكبرى، وأن أي تنازل في هذه المواجهة ستكون له انعكاسات خطيرة على مستقبل اليمن والمنطقة بأسرها، كما يعكس هذا الالتفاف فشل الرهانات التي كانت تعوّل على إنهاك المجتمع اليمني ودفعه نحو التخلي عن مواقفه السياسية والمبدئية تحت ضغط الظروف الاقتصادية والإنسانية.
اليمن والقضية الفلسطينية
تظل القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في الوجدان اليمني، بوصفها معياراً أخلاقياً وسياسياً يكشف طبيعة الاصطفافات في المنطقة، وفي الوقت الذي اتجهت فيه بعض الأنظمة العربية نحو مسارات التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، حافظ اليمنيون على خطاب داعم للمقاومة الفلسطينية ورافض للجرائم التي يرتكبها الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني، ويرى مراقبون أن هذا الحضور القوي لفلسطين في الوعي اليمني يعكس إدراكاً عميقاً بأن المشروع الصهيوني لا يستهدف فلسطين وحدها، بل يسعى إلى إخضاع المنطقة بأكملها وإعادة تشكيلها وفق معادلات تخدم الهيمنة الغربية والإسرائيلية.
أبعاد الفشل في كسر اليمن
رغم سنوات من العدوان والحصار والاستهداف الإعلامي والسياسي، لم يتحقق الهدف المعلن وغير المعلن المتمثل في إخضاع اليمن وإعادة تشكيل موقفه السياسي والشعبي.
وفشل هذه الضغوط يكشف حدود القوة العسكرية والاقتصادية عندما تواجه شعوباً تمتلك قناعة راسخة بعدالة موقفها، كما يكشف أن الرهان على تفكيك الهوية والانتماء الوطني والقومي ليس رهانا سهلاً، كما أن استمرار الحضور الشعبي اليمني في معادلة الصراع الإقليمي أعاد تقديم اليمن باعتباره رقماً مؤثراً في معادلات المنطقة، وليس مجرد ساحة هامشية يمكن تجاوزها.
ختاما ..
في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، يبرز الموقف اليمني باعتباره واحداً من أبرز النماذج التي تعكس قدرة الشعوب على التمسك بخياراتها السيادية رغم التحديات الهائلة، فالثبات الشعبي اليمني في مواجهة مشروع الاستباحة الصهيوأمريكي لا يحمل دلالات سياسية فحسب، بل يعبر عن معركة وعي وهوية وإرادة، تؤكد أن الشعوب ـ مهما تعرضت للضغوط ـ قادرة على الحفاظ على بوصلتها حين تكون القضية مرتبطة بالكرامة والوجود والمستقبل، ويبقى اليمن، في نظر كثير من المراقبين، نموذجاً لحضور الإرادة الشعبية في زمن التحولات الكبرى، وصوتاً يرفض أن تتحول الأمة إلى ساحة مفتوحة للهيمنة والاستباحة الخارجية.
يمانيون.