الصبر في زمن العدوان.. بين وَهْمِ الاستسلام وحقيقة المواجهة

الجوف نت / مقالات 

بقلم .شاهر أحمد عمير 

تشهد المنطقة مرحلةً شديدة الحساسية تتكشّف فيها طبيعة الصراع على حقيقتها، وتتصاعد معها محاولات التضليل التي تسعى إلى تبسيط الحرب والجهاد، وتقديمهما وكأنهما خيار بلا كلفة أَو مواجهة بلا أثمان.

هذا الخطاب، الذي يصدر عن منافقين ومطبّعين ومن ارتبطت مصالحهم بمشاريع الهيمنة، يتجاهل عمدًا ميزان القوة المختل، ويتغافل عن حجم العدوان وأدواته العسكرية والاقتصادية والإعلامية، في محاولة لشيطنة الصمود وتحميل أهل المواجهة مسؤولية نتائج لم يكونوا صانعيها.

فالحروب الوجودية لا تُدار بمنطق التمنّي، ولا تُحسم بخطابات مريحة، إنما تُخاض بالصبر الطويل، وبالقدرة على تحمّل الخسائر، وبوعيٍ عميق يدرك أن طريق الحق محفوف بالتضحيات، وأن كلفة الصمود —مهما بلغت— أقلّ فداحة من كلفة الاستسلام.

ومن يروّج لوهم الحرب السهلة إنما يهرب من الحقيقة أَو يبرّر العجز والتخاذل.

إن المنافقين والمطبّعين والعملاء، ومن اصطفّت قلوبهم مع الباطل، يظنون أن الحرب نزهة سهلة، ويريدون من أهل المواجهة أن يسيروا وفق أهوائهم وطبيعتهم الهشّة.

غير أن الواقع يؤكّـد أن ما يجري هو حرب وجهاد بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وفيه قصف واشتباكات وحصار، وتسقط فيه أرواح بشرية، منهم شهداء في سبيل الله.

ومن يقف مع الباطل فمصيره الخسران، أما طريق الحق فمفروش بالصبر والثبات، لا بالأوهام ولا بالترف.

وقد أسّس القرآن الكريم لمنهج واضح في إدارة الصراع، حين قرن النصر بالصبر وربط الاستعانة بالصبر والصلاة وربط المعية الإلهية بالثبات في أشد الظروف، فقال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 153)

كما دعا إلى المصابرة والمرابطة؛ باعتبَارهما شرطًا للفلاح، فقال سبحانه:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 200)

وجعل الجهاد طريق العزة والكرامة، حين قال عز وجل: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (الحج: 78)

العدوّ الذي تواجهه الأُمَّــة اليوم ليس عدوًّا تقليديًّا، إنه منظومة متكاملة من القوة العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية والإعلامية، تمتلك أحدث أنواع الأسلحة، وتُحسن توظيف أدوات الحرب النفسية والاقتصادية.

وفي ظل هذا الاختلال في موازين القوة، يصبح وقوعُ الخسائر أمرًا متوقعًا، لكن القراءة الواعية لا تقفُ عند حجم الألم، بل تضعُه في سياقه الصحيح، وتدرك أن العدوان هو السبب، وأن المقاومة هي النتيجة الطبيعية لأي شعب يرفض الخضوع.

لقد أثبتت التجارب أن التنازل عن الحقوق والتفريط في المقدسات لا يصنع أمنًا ولا يحقّق استقرارًا، إنما يفتح الباب لمزيد من الابتزاز والهيمنة.

وعلى النقيض، فإن المجتمعاتِ التي اختارت طريقَ المقاومة، رغم التضحيات، انطلقت من قناعة راسخة بأن الكرامةَ لا تُجزّأ، وأن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع.

وما يجري في ساحات المواجهة يؤكّـد أن الصراعَ ليس خلافًا عابرًا، إنه صراع إرادات ومشاريع، وفي قلبه مشروع عدواني مدعوم بالقوة والسلاح والمال والإعلام، تقف إلى جانبه أنظمة ونخب سخّرت ثروات الأُمَّــة لخدمة العدوان، سياسيًّا واقتصاديًّا وإعلاميًّا، ما عمّق المعاناة ووسّع دائرة الاستهداف.

وأمام هذا الواقع، لا تملك الأُمَّــة ترف الانقسام أَو الوقوف في منطقة رمادية، إنما هي مطالبة بالتماسك والصبر والوعي، كما أمر الله بالمواجهة الجماعية وعدم التفرّق، فقال تعالى:

﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة: 36)

إن الدعوة إلى الصبر والثبات ليست تبريرًا للألم، بل قراءة واعية للتاريخ وسنن الصراع، فالأمم لا تُبنى بلا تضحيات، والعدالة لا تنتصر دون كلفة، وطريق التحرّر مهما طال يبقى أقل كلفة من الخضوع الدائم لإرادَة المعتدي.