رمضان في غزة.. موائد على حافة اللهب وأمهات يحرسن ما تبقّى من الحياة
في غزة، لا يُقاس الوقت قبيل المغرب بعقارب الساعة، بل بعدد المحاولات لإشعال نارٍ صغيرة لا تتحول إلى كارثة. هنا يسبق الدخان صوت الأذان، وتصل رائحة الاحتراق إلى صدور الأطفال قبل أن تصلهم رائحة الطعام. رمضان الذي كان موسم زينة وطمأنينة، بات امتحانًا يوميًا للصبر، ومواجهة مفتوحة مع الخوف داخل خيامٍ متلاصقة بالكاد تقي حرّ النهار وبرد الليل.
قبل دقائق من الإفطار، تنحني زكية أحمد فوق ثلاثة أحجار رتّبتها أمام خيمتها غرب المدينة. تجمع كرتونًا مبللًا وبقايا حطب، تنفخ طويلًا علّ شرارة الحياة تشتعل في قدرٍ أسود يغلي فيه عدس بلا لحم. يتكاثف الدخان في مساحة ضيقة، فيسعل أطفالها الثلاثة وهم يتحلقون حولها بعيونٍ تترقب لحظة الأذان. تقول الأم النازحة من شمال القطاع إن رمضان كان يُستقبل بالفوانيس وروائح الشوربة، أما اليوم فتستقبله بالخوف من أن تمتد النار إلى أطراف الخيمة أو إلى ثياب أحد صغارها. كل وجبة، كما تصف، مغامرة غير مضمونة العواقب.
المشهد يتكرر في صفوف طويلة من الخيام داخل مراكز الإيواء. بين كل خيمتين نار مشتعلة، بلا مسافات أمان ولا أدوات طهي مناسبة. ألسنة اللهب ترتفع فوق أرضٍ مكتظة، وشرارة واحدة كفيلة بتحويل المكان إلى دائرة خطر. يشير حسام الديب إلى آثار احتراق قرب خيمته، مستعيدًا حادثة امتدت فيها النار إلى خيمة مجاورة، وأصيب طفل بحروق. “نطبخ فوق رؤوس بعضنا”، يقولها بمرارة تختصر ضيق المكان وقلة الحيلة.
المعاناة لا تبدأ بإشعال الموقد، بل بالبحث عن الماء. عند صهريج متنقل، تصطف نساء بأوعية بلاستيكية، يحسبن كل قطرة. الماء هنا قرار يومي: للشرب أم للطبخ أم للوضوء؟ غسل الأرز يحتاج ماء، وتنظيف القدر يحتاج ماء، وكسر العطش بعد صيام طويل يحتاج ماء. وبين دلوٍ وآخر، تُروى حكايات تعبٍ لا تنتهي.
عاملون في المجال الإغاثي يؤكدون أن آلاف العائلات تعيش دون مطابخ مجهزة أو مصادر طاقة آمنة، في ظل تضرر واسع للبنية التحتية وندرة الغاز والكهرباء. أبسط مقومات الحياة تحولت إلى رفاهية بعيدة المنال، فيما تتضاعف مخاطر الحرائق والحروق، خاصة بين الأطفال.
مع غروب الشمس، يرتفع الأذان من مسجدٍ متضرر قريب، فتتقدم الأيدي بالدعاء قبل أن تمتد إلى الطعام. لا موائد عامرة ولا زيارات عائلية، بل إفطار متواضع على عجل، وعيون تراقب النار أكثر مما تراقب الصحون. يسأل الطفل يزن والدته إن كان سيعود لهم مطبخ مثل السابق عندما يكبر. لم يكن يسأل عن أصناف الطعام، بل عن سقفٍ آمن وموقدٍ لا يخيفه.
وحين ينام الصغار بعد وجبة بسيطة، تبقى الأمهات ساهرات أمام جمرٍ يوشك أن يخبو، كأنهنّ يحرسن ما تبقى من دفء الحياة. في غزة، لم يعد السؤال ماذا سنأكل غدًا، بل هل يمرّ الغد بسلام؟ رمضان هنا ليس شهر مائدة، بل شهر نجاة، وكل أذان يُرفع فوق الركام شهادة على أن الحياة، رغم كل شيء، ما زالت تحاول أن تولد من تحت الرماد.