إن ربك لبالمرصاد.. صرخة قرآنية تهزّ جبروت الصهاينة وقوى الهيمنة
في الدرس الخامس من دروس رمضان، قدّم السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي معالجة قرآنية معمّقة لواقع الأمة الإسلامية في مرحلة تُوصَف بالاستضعاف، مقابل تصاعد غير مسبوق في طغيان قوى الهيمنة والاستكبار. لم يكن الدرس وعظيًا أو سردًا تاريخيًا، بل قراءة تحليلية لسنن الله في الصراع بين الحق والباطل، واستحضارًا لقصة موسى عليه السلام مع فرعون كنموذج قرآني مكتمل الأبعاد، يُسقِط دلالاته على ما يجري اليوم في فلسطين ولبنان وسائر المنطقة، وهو ما أكده السيد القائد في أبرز محاور الدرس، والذي تركزعلى أبعاد فكرية وعملية، ودلالات قوية مرتبطة بطبيعة العدو، ومنهج المواجهة، وشروط النصر، ومعادلة الخلاص التي حددها القرآن الكريم.
تقرير | طارق الحمامي
القصص القرآني .. وعيٌ استراتيجي لا سردٌ تاريخي
أكد السيد القائد أن الله سبحانه وتعالى “يقدم لنا القصص لنتفهم ونعي جيدًا، لنتحرك على أساس الهداية في حياتنا”، وهنا تتجلّى دلالة مركزية، أن القصص القرآني موجّه “لقوم يؤمنون”، أي لأولئك الذين يحوّلون الإيمان إلى وعيٍ وسلوكٍ وموقف، وهنا دلالات وأبعاد هامة على رأسها البعد التربوي بصناعة وعيٍ قرآني يقرأ الواقع من خلال سنن الله، لا من خلال الدعاية السياسية أو الإعلام المنحاز، وكذلك تحويل القيم الإيمانية إلى فعلٍ عملي في مواجهة الطغيان، وتعزيز الثقة بالله في ظل اختلال موازين القوة الظاهرية، فالقرآن الكريم لا يعرض قصص الطغاة للاتعاظ العاطفي، بل ليكشف آلياتهم وأساليبهم، ويحصّن الأمة من الوقوع في ذات المصائد.
فرعون كنموذجٍ ممتد .. والطغيان المعاصر
استحضار قصة موسى عليه السلام لم يكن استدعاءً تاريخيًا معزولًا، بل قراءة لنموذج الطغيان عبر العصور، فرعون مارس القتل والاستعباد والاستكبار، وادّعى الألوهية، وسعى لكسر إرادة المستضعفين، والأبعاد التي ركّز عليها السيد القائد أن الاستكبار كمنظومة متكاملة سياسية، عسكرية، إعلامية، ونفسية،
تعمل على استهداف الهوية والعقيدة، كما قتل فرعون أبناء بني إسرائيل واستحيا نساءهم، تسعى قوى الطغيان المعاصرة إلى تفكيك الأمة وقيمها، ورغم جبروت فرعون، كانت نهايته عبر تدبير إلهي حاسم، وفي إسقاط مباشر على الواقع، أشار السيد القائد إلى أن ما تمارسه القوى المعادية اليوم خصوصًا في فلسطين يفوق في بشاعته كثيرًا من ممارسات الطغاة في التاريخ، سواء في استهداف الإنسان أو المقدسات أو محاولة فرض واقع بالقوة.
فلسطين نموذجًا لصراع الإرادة والهوية
من أبرز محاور الدرس تسليط الضوء على ما يحدث في فلسطين، من جرائم في غزة، واستهدافٍ للمسجد الأقصى، ومنع المصلين، وسعيٍ تدريجي لفرض أمر واقع خطير، وهنا دلالات خطيرة للصراع مع العدو ، فليست القضية سياسية بحتة، بل صراع على الهوية والعقيدة، ومن الدلالات أيضا تمرير الانتهاكات خطوةً بعد خطوة حتى تتحول إلى واقعٍ مقبول، وتحويل حالة التراجع الرسمي إلى غطاءٍ لاستكمال المشروع التوسعي، وأشار السيد القائد إلى أن الدعم الأمريكي العسكري والسياسي واللوجستي يمثّل غطاءً كاملًا لهذه الجرائم، ما يكشف طبيعة التحالف الدولي الداعم للعدوان.
التدبير الإلهي .. النصر يُصنع في قلب التحدي
أحد أعمق المحاور كان حديث السيد القائد عن التدبير الإلهي في قصة موسى، حين نشأ في بيت فرعون نفسه ودلالاته الجوهرية هنا ، قوة الله فوق كل الحسابات البشرية ، فقد يصنع الله أسباب النصر من داخل بيئة العدو نفسه ، والإعداد الطويل للنصر فموسى عليه السلام مرّ بمراحل تهيئة وتربية ورسالة، ومن الدلالات الهامة أن النصر ليس حالة عشوائية، بل ثمرة لحمل رسالة إقامة القسط والعدل، هذه القراءة تعيد تعريف مفهوم النصر، بأنه ليس حدثًا عسكريًا فقط، بل مسارًا إيمانيًا وتربويًا ورساليًا.
معادلة الخلاص .. الاعتصام بحبل الله
في خلاصة عملية واضحة، حدّد السيد القائد طريق النجاة في الرجوع إلى الله، والاعتصام بحبله، والتحرك على أساس الهداية القرآنية،
وأبعاد هذه المعادلة وحدة الموقف و تجاوز الانقسامات التي تُضعف الأمة، وكذلك تحمّل المسؤولية و عدم الاكتفاء بالشجب أو التنديد، وكذا الثبات الإيماني في مواجهة الحرب النفسية والدعائية بثقةٍ راسخة بوعد الله، فالقرآن الكريم يقدّم صورة متكاملة عن العدو من هو، كيف يفكر، كيف يتحرك، وكيف يمكن مواجهته.
بين السنن الإلهية ومسؤولية الأمة
الدرس الخامس من دروس رمضان رسم خارطة طريق واضحة وعيٌ قرآني، قراءة دقيقة لطبيعة العدو، ثقةٌ مطلقة بالله، وتحركٌ مسؤول في مواجهة الطغيان.
إن الآية الكريمة “إن ربك لبالمرصاد” لم تأتِ في سياقٍ تاريخي منقطع، بل كقاعدة سننية ثابتة، تؤكد أن الاستكبار مهما بلغ، فهو إلى زوال، وأن المستضعفين حين يحملون رسالتهم بصدق، ويتحركون على أساس الهداية، فإنهم يدخلون في معادلة التأييد الإلهي.
وهكذا يتحول الاستضعاف من حالة انكسارٍ نفسي، إلى مرحلة إعدادٍ للنهوض، ويصبح التاريخ شاهدًا حيًا على أن الطغاة يسقطون، وأن وعد الله بالنصر ليس شعارًا، بل سنّة ماضية لمن وعى وتحرك وثبت.
يمانيون.