تبخّر الأجساد وسقوط الأقنعة


مقالات – عبدالملك العتاكي

تأملوا جيِّدًا حين يتحول الإنسان إلى غبار، وتخيلوا المشهد الذي تحاول قوى الاستكبار العالمي إخفاء تفاصيله المرعبة خلف ستائر التضليل الإعلامي.

إن ما يحدث في غزة اليوم ليس حربًا تقليدية، بل هي إبادة تكنولوجية تُدار بعقول صهيونية وأيدٍ أمريكية.

إنها قنابل “المارك 80” بوزنها الذي يصل إلى ألفَي رطل من الحقد المصبوب، وغلافها الفولاذي الذي صُمم ليمزق كُـلّ شيء.

هذه القنابل ليست مُجَـرّد متفجرات، بل هي جحيم متنقل؛ حَيثُ تُعبأ بمواد كيميائية ومتفجرة تولد حرارة هائلة تتجاوز 3500°C.

في هذه اللحظة، لا ينهار المبنى فحسب، بل إن أجساد الأطفال والنساء تتبخر حرفيًّا؛ حَيثُ تذوب العظام وتتلاشى الأنسجة، ويتحول الإنسان المكرّم الذي خلقه الله في أحسن تقويم إلى سحابة من الغبار والرماد لا أثر لها.

أسلحة الفتك المحرمة والتواطؤ الدولي

انظروا بتمعن إلى سلاح “الدايم” الفتاك، ذاك السلاح المحرم دوليًّا الذي يطلقه العدوّ ليحول ساحات البيوت إلى مسالخ بشرية.

هذا السلاح يطلق شظايا مجهرية من التنجستن تقطع الأطراف بترًا دقيقًا وكأنها شفرات حلاقة، وتخترق الأجساد لتترك من نجا منها فريسة لسرطانات قاتلة تنهش ما تبقى من حياته.

إنها “هولوكوست” حقيقي يُرتكب بحق أهلنا في غزة، بضوء أخضر من واشنطن، وصمت عالمي مطبق، وتواطؤ أنظمة عربية باعت دينها وكرامتها بفتات العروش.

هذه المشاهد ليست أخبارًا عابرة، بل هي صرخة من وسط الأشلاء تسأل كُـلّ مسلم: أين إسلامكم؟ أين نخوتكم التي ورثتموها عن أجدادكم؟

إلى متى هذا الذل والصمت؟

إلى متى ستبقى هذه الأُمَّــة حبيسة مربع الصمت والجمود؟ إن هذا الصمت ليس حيادًا، بل هو اشتراك فعلي ومباشر في سفك هذه الدماء الطاهرة.

إن الحالة التي وصلت إليها الشعوب من التدجين والارتهان للمواقف الضعيفة، والرهان الخاسر على المنظمات الدولية والمواثيق الأمريكية الكاذبة، هي التي أطمعت العدوّ فينا وجعلته يسترخص دماءنا.

لقد كشفت غزة أن العدوّ الصهيوني والأمريكي لا يقيم وزنًا لقانون دولي ولا لحقوق إنسان، بل هو عدو لا يفهم إلا لغة القوة، ولا يرتدع إلا حين يسمع صرخة الحق تهز عروشه.

إن التفريط اليوم في نصرة غزة هو تفريط في الهُوية الإيمانية، تفريط في الدين، وهو سقوط في وحل النفاق الذي حذرنا الله منه في كتابه الكريم حين قال: ((مَا لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلى الأرض)).

المسؤولية الإيمانية والتحَرّك المقدس

إن المسؤولية أمام الله كبيرة، والسكوت أمام مشهد “تبخر الأجساد” هو خيانة للقرآن ولرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

إن التحَرّك اليوم هو واجب ديني وأخلاقي مقدس: المواجهة والثبات: العزة لا تُوهب في موائد المفاوضات، بل تُنتزع بالمواجهة.

المقاطعة والصرخة: إن أقل الواجب هو المقاطعة الشاملة ورفع الصوت عاليًا بالصرخة في وجه المستكبرين.

الغيرة المحمدية: المؤمن الحي هو من يتألم لألم أخيه، ويرى في هذه الأشلاء دافعًا للغضب لله.

يا أُمَّـة الإسلام: استفيقي من سباتك، فالدماء التي تسيل في غزة هي وقود لنصر قادم لا محالة إن نحن استجبنا لله ولرسوله ولوليه، وهي حجّـة دامغة علينا إن آثرنا حياة الذل والقعود.

والله المستعان.