من “سقوط الوصاية” إلى “فجر الاستقلال”: كيف أعاد رحيل المارينز الأمريكي من صنعاء رسم خارطة القوة في اليمن؟
لم يكن مشهد الدخان المتصاعد من باحة السفارة الأمريكية في حي سعوان بصنعاء، في تلك الأيام من فبراير 2015، مجرد إجراء روتيني لإتلاف وثائق ديبلوماسية، بل كان في جوهره إعلاناً ميدانياً عن احتراق آخر أوراق “الوصاية الدولية” التي كبلت اليمن لعقود. إن هذا الرحيل الجماعي للبعثة الأمريكية، الذي جاء كأحد أهم ثمار ثورة 21 سبتمبر المباركة، مثّل “نقطة الصفر” في تاريخ اليمن الحديث؛ حيث انتقلت الدولة من وضعية “الحديقة الخلفية” التي تُدار عبر الهاتف من قبل السفير الأمريكي، إلى فضاء السيادة الوطنية الكاملة، واضعةً حداً لزمنٍ كان فيه “المندوب السامي” في صنعاء هو من يحدد ملامح الخارطة العسكرية والسياسية والاقتصادية للبلاد، محولاً السفارة إلى مركز إدارة فعلي يتجاوز مؤسسات الدولة الدستورية.
إن القراءة التحليلية المعمقة لهذا التحول تكشف أن خروج قوات المارينز لم يكن انسحاباً “تكتيكياً” كما حاولت واشنطن تسويقه حينها، بل كان هزيمة استراتيجية مبكرة لمشروع “الاحتلال المقنّع”. لقد أدركت الإدارة الأمريكية أن البيئة السياسية والأمنية التي أفرزتها الثورة لم تعد تسمح بوجود مراكز قوى تعمل كـ “دولة داخل الدولة”، وهو ما دفع المارينز إلى الهروب تحت جنح الظلام، مخلفين وراءهم ترسانة من العربات المدرعة والملفات المحترقة. هذا الحدث لم يحرر الجغرافيا اليمنية فحسب، بل حرر “الإرادة اليمنية” من قيود الخوف والارتهان، ممهداً الطريق لبناء نموذج فريد في المنطقة العربية يرفض التبعية القطبية، ويؤسس لمرحلة المواجهة المباشرة التي نشهد فصولها اليوم في أعالي البحار ضد الأساطيل التي كانت بالأمس تتحكم في قرار صنعاء السيادي.
سقوط “المندوب السامي” وانبعاث القرار السيادي
مثّل رحيل السفير الأمريكي “ماثيو تولر” وبعثته نهاية حقبة “الإدارة بالوكالة”؛ حيث كان السفير يمارس دوراً يتجاوز الأعراف الديبلوماسية، متدخلاً في تعيين الوزراء وقادة الألوية العسكرية، بل والإشراف على صياغة الدساتير والقوانين بما يخدم الأجندة الأمريكية. وبمجرد خروج هذه البعثة، استعاد اليمن حقه الطبيعي في تقرير مصيره السياسي بعيداً عن “الإملاءات” التي كانت تُصاغ في أروقة السفارة وتُفرض كأمر واقع، مما سمح لليمنيين بإنتاج سلطة وطنية نابعة من الهوية الإيمانية والانتماء الشعبي، متحررة من “الفيتو” الأمريكي الذي كان يجهض أي تحرك نحو الاستقلال الحقيقي.
ولعل الشاهد الميداني الأبرز على هذا الانكسار السياسي هو ما حدث في مطار صنعاء لحظة المغادرة؛ فإجبار جنود المارينز على ترك أسلحتهم، وقيامهم بتحطيمها يدوياً لتعطيلها قبل الفرار، لم يكن مجرد تصرف أمني، بل كان اعترافاً ضمنياً بسقوط “هيبة القوة” أمام السيادة الوطنية. إن هذا “التحطيم المادي” للسلاح الأمريكي تحت رقابة الأمن اليمني، مثّل رمزية لسقوط “الغطرسة” التي كانت ترى في اليمن مجرد ساحة مفتوحة، وأكد أن القوة الأمريكية العظمى يمكن إخضاعها لقوانين السيادة اليمنية متى ما وجدت الإرادة والقيادة الصادقة، وهو ما شكّل صدمة استراتيجية لصناع القرار في واشنطن الذين لم يتوقعوا يوماً أن يُجرد جنودهم من فخر صناعتهم العسكرية فوق التراب اليمني.
إن الأبعاد السياسية لهذا الانسحاب أفرزت واقعاً جديداً انتهت فيه سياسة “الأبواب المغلقة”، حيث كانت الصفقات تُعقد بعيداً عن أعين الشعب. لقد أدى تطهير العاصمة من التواجد الأمريكي المباشر إلى إنهاء “الارتهان” المالي والعسكري، وسمح للقيادة في صنعاء بالتحرك وفق أولويات المصلحة الوطنية العليا والقضايا المركزية للأمة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وهو الموقف الذي كان من المستحيل اتخاذه في ظل وجود “الحاكم العسكري” الأمريكي في حي سعوان أو قاعدة العند الجوية.
تفكيك البنية التجسسية وتحصين الأمن القومي
على المستوى الاستخباراتي والأمني، كان رحيل البعثة الأمريكية بمثابة “بتر للأطراف” التي كانت تنخر في جسد الدولة؛ فقد كانت السفارة تمثل أضخم قاعدة بيانات تجسسية في المنطقة، تدير شبكات واسعة من العملاء وتتحكم في مفاصل الأجهزة الأمنية. إن لجوء الأمريكيين إلى إحراق أطنان من الوثائق والملفات قبل المغادرة كان محاولة يائسة لطمس معالم “الجريمة الاستخباراتية” التي استهدفت تفتيت النسيج الاجتماعي اليمني ودعم الجماعات التكفيرية لاستخدامها كذريعة للتدخل المستمر. وبخروج هؤلاء الخبراء، تمكنت الأجهزة الأمنية الوطنية من تفكيك “الألغام” الاستخباراتية وتطهير المؤسسات من الاختراقات التي كانت تُدار بعناية صهيو-أمريكية لعقود.
هذا التحرر الأمني أدى بشكل مباشر إلى تحقيق حالة من الاستقرار والسكينة العامة، حيث توقفت الاغتيالات والسيارات المفخخة التي كانت تزدهر في ظل التواجد الأمريكي. والأهم من ذلك، أن رحيل المارينز تسبب في “عمى معلوماتي” استراتيجي للبنتاغون؛ فبعد أن كانت كل التفاصيل العسكرية لليمن تحت أنظار الخبراء الأمريكيين، باتت القدرات اليمنية اليوم لغزاً يحير أجهزة المخابرات العالمية. إن هذا “الحظر المعلوماتي” الذي فرضه الاستقلال هو الذي حمى القوة الصاروخية وسلاح الجو المسير في مراحل بنائه الأولى، وصولاً إلى اللحظة التي فاجأ فيها اليمن العالم بأسلحة فرط صوتية ومنظومات دفاع جوي أسقطت فخر الصناعة الأمريكية (MQ-9) التي كانت بالأمس تجوب الأجواء بمباركة النظام السابق.
من “تحرير الزناد” إلى معركة السيادة البحرية
يرتبط حدث فبراير 2015 بوضوح منطقي مع العمليات العسكرية الكبرى التي يخوضها اليمن اليوم في البحرين الأحمر والعربي؛ فلو لم يُطرد المارينز وتتوقف عملية “تدمير الدفاعات الجوية” التي كانت تشرف عليها واشنطن، لما امتلك اليمن اليوم جرأة وقدرة مواجهة الأساطيل الأمريكية. إن “تحرير الزناد” اليمني من الهيمنة الأمريكية كان الشرط الضروري للانتقال من وضعية “الدفاع عن العاصمة” إلى وضعية “فرض المعادلات الدولية” في أهم الممرات المائية. لقد أثبتت السنوات الماضية أن الأمريكي الذي هرب بمطارقه في 2015، هو نفسه الذي يهرب اليوم بحاملات طائراته (أيزنهاور وغيرها) من أمام الصواريخ والمسيرات اليمنية التي وُلدت من رحم الاستقلال.
إن الربط بين “فرار الأفراد” في الماضي و”فرار الأساطيل” في الحاضر يؤكد أن اليمن قد تجاوز مرحلة “التبعية” إلى غير رجعة. إن القوة التي بُنيت في صنعاء بعد رحيل المارينز هي قوة وطنية خالصة، لم تعد تخضع لمعايير “المسموح والممنوع” الأمريكية. هذا التحول الاستراتيجي جعل من اليمن فاعلاً إقليمياً ودولياً يحسب له العالم ألف حساب، وأثبت أن “البعبع” الأمريكي الذي كان يحكم العالم عبر سفاراته، يمكن كسره وإذلاله وإجباره على التراجع عندما يواجه شعباً يمتلك هوية إيمانية وقيادة حكيمة لا تساوم على ذرة من ترابها أو قرارها السيادي.
حتمية الاستقلال وسقوط أوهام العودة
في المحصلة، يظل يوم رحيل المارينز من صنعاء شاهداً حياً على أن إرادة الشعوب هي القدر الذي لا يُرد، وأن زمن الهيمنة القطبية قد ولى إلى غير رجعة فوق الأرض اليمنية. إن الاستنتاج الأبرز من هذا التحول هو أن السيادة لا تُمنح كمنحة ديبلوماسية، بل تُنتزع انتزاعاً؛ فاليمن الذي كان يُنظر إليه كدولة هشة تحت الوصاية، تحول بفضل تلاحم القيادة والثورة والشعب إلى قلعة صمود غيرت قواعد الاشتباك العالمي، وأثبتت أن كلفة الاستقلال مهما بلغت، تظل أقل بكثير من كلفة الارتهان التي كانت تستنزف كرامة اليمن وموارده ومستقبل أجياله.
إن مشهد “تحطيم السلاح” وتصاعد أدخنة الوثائق المحترقة في 2015، لم يكن إلا “المقدمة” لزوال النفوذ الاستعماري من المنطقة برمتها. واليوم، وبينما يحيي اليمنيون هذه الذكرى وهم في ذروة قوتهم وعنفوانهم، يرسلون رسالة واضحة للعالم: إن اليمن الذي طرد المارينز من أزقة صنعاء، قادر على طرد نفوذهم من كل شبر في مياهه وإقليمه، وأن العودة إلى “زمن الوصاية” أصبحت أبعد من عينش الشمس، لأن ثمرة ثورة 21 سبتمبر قد نضجت استقلالاً كاملاً، وحريةً معمدة بالدم، وسيادةً لا تقبل القسمة على اثنين.
موقع 21 سبتمبر.