اليمن وفلسطين في خطاب السيد القائد: مظلومية الأرض.. هندسة الدمار وقواسم الصمود
اليمن وفلسطين في خطاب السيد القائد: مظلومية الأرض.. هندسة الدمار وقواسم الصمود
عبدالقوي السباعي: في قراءةٍ عميقة للمشهد الجيوسياسي والإنساني الذي يلف المنطقة العربية، برزت رؤية استثنائية قدّمها السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي -يحفظه الله- في الذكرى السنوية للشهيد الرئيس صالح الصماد، والتي جاءت في خطابٍ تحليليّ يربط بين جرحين نازفين على خارطة العصر الحديث: مظلومية الشعب اليمني ومظلومية الشعب الفلسطيني.
السيد القائد وتحت عنوانٍ عريض مفاده أنّ “القاتل واحد والهندسة واحدة”، رسم لوحة تشابه مذهلة بين ما حدث في اليمن وما يحدث في غزة والقدس وعموم فلسطين المحتلة، كاشفًا عن تحالفٍ إجرامي تقوده واشنطن وتديره أذرع الصهيونية العالمية وأدواته الإقليمية.
واستهل حديثه بتوصيفٍ دقيق لطبيعة العدوان على اليمن، مؤكّدًا أنّه يمثل إحدى “أكبر المظلوميات القائمة والمستمرة على وجه الأرض”، وهذه المظلومية لم تكن وليدة صدفة، وإنما نتاج “هندسة صهيونية” وإشراف مباشر من ثلاثي الشر: “أمريكا، بريطانيا، و(إسرائيل)”.
إنَّ الملمح الصادم في هذا الخطاب هو التأكيد على أنّ العدوان أُعلن من واشنطن قبل الرياض، ممّا يثبت أنّ النظام السعودي، الذي تولى “كِبر هذا الوزر العظيم”، لم يكن إلا أداة تنفيذية في مشروع أكبر يهدف إلى تطويع اليمن وتحويله إلى ساحةٍ مستباحة.
هذا الربط يضع المظلومية اليمنية في سياق الصراع العالمي ضد الاستعمار الجديد، حيث تلتقي الأطماع الصهيونية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب مع الرغبة الأمريكية في السيطرة على الثروات السيادية.
أبجدية الموت: القتل الجماعي والتدمير الممنهج
خطابٌ تطرق إلى تفاصيل فظيعة مارسها تحالف العدوان، بدأت بالغارات المفاجئة والغادرة على الأحياء السكنية في العاصمة صنعاء وفي عموم محافظات الجمهورية، وصولاً إلى استهداف كل مقومات الحياة، ولم تترك آلة العدوان والإجرام مكانًا إلا وتركت فيه ندبة؛ من المساجد والمدارس إلى المستشفيات والطرقات.
“استهدفوا حتى مراكز إيواء المكفوفين، واستهدفوا الثروة الحيوانية من أغنام وأبقار ودواجن، بل حتى المقابر لم تسلم من قصفهم الجوي، هذا الاستهداف الشامل، الذي وثقته وسائل الإعلام الوطنية بالصوت والصورة، يعكس حقدًا دفينًا يهدف إلى كسر الروح المعنوية للشعب اليمني.
ومن هنا تبرز نقطة التشابه الجوهرية مع المظلومية الفلسطينية؛ ففي غزة، يمارس العدو الإسرائيلي ذات “الإبادة الجماعية” والاستهداف العشوائي، حيث الشهداء بالآلاف من الأطفال والنساء، والدمار يطال الحجر والشجر والذاكرة.
وانتقل السيد القائد إلى “المسار الظالم” الآخر، وهو الحرب الاقتصادية، وهُنا تتجلى المظلومية في أبشع صورها؛ حيث السيطرة على الثروة النفطية والسيادية وحرمان الشعب من مرتباته وخدماته الأساسية، والحصار لم يقتصر على منع الرحلات الجوية، وإنّما امتد لخنق ميناء الحديدة واحتجاز سفن الغذاء والدواء والمشتقات النفطية عبر آليات أممية تهدف فقط لمضاعفة الأعباء المالية على المواطن.
هذا “الخنق الممنهج” في اليمن يقابله حصار خانق في غزة مستمر منذ سنوات، حيث يمنع العدو دخول حتى الخيام والكرفانات، ويتحكم في السعرات الحرارية التي تدخل إلى القطاع، إنها سياسة “التجويع مقابل الركوع” التي تتبعها الإدارة الأمريكية وأدواتها في كلا البلدين.
جغرافيا الأطماع: الثروات والممرات المائية
في تحليلٍ استراتيجي للموقع الجغرافي، أوضح السيد القائد أنّ العدوان يطمع في السيطرة على “باب المندب” والبحر الأحمر وبحر العرب، واليمن بموقعه يمثل درة الممرات المائية العالمية، ومحافظاته الشرقية (حضرموت والمهرة) تكتنز مخزونًا نفطيًّا هائلاً يسيل له لعاب الأمريكي والبريطاني والإسرائيلي.
إن الهدف النهائي هو تحويل اليمن إلى “بلد محتل” وشعب مستعبد، تدار صراعاته الداخلية عبر عناوين مناطقية وطائفية وعنصرية يصدرها الأمريكي ليبقى المحتل هو المستفيد الوحيد من النهب والسيطرة.
وبالانتقال إلى الشأن الفلسطيني، لفت السيد القائد إلى مسار التوأمة في المظلومية، حيث أكّد أنّ الخيارات “التدجينية” (اتفاقات السلام والتطبيع) لم تحمِ الشعوب؛ ففي الضفة الغربية، التي تخضع للسلطة الفلسطينية المتمسكة بخيار الاتفاقات، يمارس العدو يوميًا أبشع أنواع التنكيل.
ويربط بين القتل والتشريد، في استهدافٍ ممنهج للمواطنين في القدس وجنين والخليل، والاستيطان والنهب، المتمثل بالسطو على المحاصيل وإحراق المزارع، وانتهاك المقدسات المتمثل بالاقتحامات شبه اليومية للمسجد الأقصى المبارك والسعي لمصادرة المسجد الإبراهيمي.
وفي غزة، ورغم كل الاتفاقات، قتل العدو المئات وجرح الآلاف ودمر آلاف المساكن في فترات زمنية قصيرة؛ ممّا يثبت أنّ العدو الصهيوني ومن خلفه الأمريكي، لا يحترم عهدًا ولا ذمة ولا اتفاقيات.
وتوقف السيد القائد عند ظاهرة “ترامب” وما يسمى “مجلس السلام”، واصفًا إياه بأنّه نموذج للبلطجة والطغيان الأمريكي المكشوف؛ فهذا المجلس، الذي يضع نزع سلاح الشعب الفلسطيني والاستثمار في “بحر غزة” كأولوية، ليس إلا أداة للاستحواذ على الموارد.
وحذّر السيد القائد الأنظمة العربية التي تعول على هذا المجلس، مؤكّدًا أنّ الأولوية ستظل دائمًا لمصالح كيان العدو الإسرائيلي، وأنّ الأمريكي يرى هذه الأنظمة مجرد “أدوات” أو “بقرة حلوب” يتم الاستغناء عنها بمجرد انتهاء دورها.
والمتأمل يرى أنّ هناك ثلاث ركائز جوهرية وردت في حديث السيد القائد، وهي بمثابة “العمود الفقري” للمقارنة، وقد تحتاج إلى إبراز أكبر لضمان الشمولية المطلقة التي لا يمكن فصلها عن المشهد الظاهر اليوم:
الوكيل الحصري وفلسفة الاستبدال:
هذه نقطة في غاية الأهمية ذكرها السيد القائد، وهي أنّ أمريكا لديها “وكيل حصري” واحد في المنطقة وهو (إسرائيل)؛ فمهما قدمت الأنظمة العربية “السعودية أو غيرها” من تريليونات الدولارات، وخدمات استخباراتية، وعسكرية، وإعلامية، ومهما توددت للأمريكي؛ فهي في نظره مجرد “أدوات مؤقتة” أو “خَدَم”، ولن ترتقي أبدًا لمنزلة الوكيل المعتمد، وهذه النقطة تفسر لماذا يُستباح اليمن وفلسطين معًا وبضوءٍ أخضر واحد.
استراتيجية التدجين والاعتياد:
تحدث السيد القائد عن حالة خطيرة جدًا وهي “الترويض الفعلي” للعالم العربي والإسلامي، وكيف تحولت مشاهد اقتحام المسجد الأقصى وانتهاك حرمة المسجد الإبراهيمي، ومشاهد القتل اليومي في غزة واليمن، إلى “حالة اعتيادية” لا تستفز الضمير الرسمي العربي، وهذا “الترويض” هو سلاح صهيوني ناعم يسير جنبًا إلى جنب مع السلاح العسكري.
مفارقة غزة والضفة:
يشدّد على مقارنة داخلية عميقة؛ فبينما تُضرب غزة لأنها تقاوم، تُستباح الضفة الغربية رغم التزام سلطتها بالاتفاقات والطاعة للأمريكي، بالقتل والاستيطان والاختطاف، وهذه “المفارقة” هي البرهان الذي ساقه السيد القائد ليثبت للأمة وللعالم أنّ “الخيار التدجيني” والاستسلام لا يحمي الشعوب؛ بل يجعلها فريسة أسهل للاضطهاد.
وخلاصة ما يؤكّد عليه السيد القائد أنّ الصمود الأسطوري للشعب اليمني هو الذي حال دون تحوّل اليمن إلى بلدٍ محتل بالكامل، ولولا “بركة الانتماء الإيماني” وتضحيات الأحرار، لكان اليمن اليوم ممزقًا ومستعبدًا بشكّلٍ كلي، إلا أنّ القضية لا تزال قائمة، والاحتلال لمساحات واسعة من الأرض اليمنية هو حالة مستمرة تستوجب اليقظة والتحرك، تمامًا كما هو الحال في فلسطين.
وبالمحصلة؛ فإن المظلوميتين اليمنية والفلسطينية هما جبهة واحدة في مواجهة مشروع استعماري عالمي يستخدم القتل، الجوع، والاحتلال كأدوات لفرض إرادته، لكن، وكما أثبتت سنوات الصمود؛ فإن “إرادة الشعوب الحرة” المنطلقة من هويتها الإيمانية هي الصخرة التي تتكسر عليها كل مؤامرات “هندسة الدمار”.
موقع المسيرة نت.