الظلام ليس خطأ بل قرار سياسي.. أرقام الكهرباء في اليمن تفضح الهالك عفاش وحقبته السوداء

الظلام ليس خطأ بل قرار سياسي.. أرقام الكهرباء في اليمن تفضح الهالك عفاش وحقبته السوداء


تقرير خاص

لم يكن انهيار الكهرباء في اليمن مجرد نتيجة أخطاء إدارية أو قصور فني عابر، بل كان انعكاسًا لاستراتيجية متعمّدة من نظام علي عبدالله صالح لتحويل قطاع حيوي إلى أداة فساد واستغلال. قبل 2009، كانت الكهرباء أكثر من خدمة أساسية؛ كانت مؤشرًا على طريقة إدارة الدولة، وكيف يتم تحويل الخدمات العامة إلى محطات سلطة، ومصادر ثراء لنخب ضيقة. بينما ظل المواطنون محرومين من الإضاءة الأساسية، كان المال العام يفلت من الرقابة ويُستنزف في عقود غير شفافة، وتشغيل واعتماد دائم على وقود باهظ الكلفة يعمّق الفقر والطاقة الضعيفة.

الظلام اليومي الطويل، وعدم وصول الكهرباء إلى الريف والمناطق النائية، لم يكن مصادفة فنية أو ظرفًا خارجيًا متأخرًا. بل كان قرارًا سياسيًا متعمّدًا لتحويل أحد أهم مقومات الحياة إلى وسيلة ضغط اجتماعي وسياسي، وضمان بقاء نظام حكم قائم على شبكة ولاءات عائلية وسياسية. سنوات من التسييس الممنهج لكل الملفات الحيوية وصلت ذروتها في قطاع الكهرباء، الذي كشف مدى هشاشة التخطيط الاستراتيجي واستشراء الفساد على مستوى الدولة بأكملها.

ضعف البنية التحتية وكلفة الحرمان

اليمن كان من بين أدنى دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في نسبة الوصول إلى الكهرباء، وفقًا لتقرير البنك الدولي الصادر عام 2008 حول قطاع الكهرباء. التقرير يوضح أن الاعتماد على الكهرباء الحكومية المباشرة لم يتجاوز 12٪ من السكان، بينما اضطر غالبية اليمنيين للاعتماد على مولّدات خاصة أو حلول بديلة، ما يكشف هشاشة البنية الأساسية للقطاع واستحالة تأمين الخدمة للمجتمع بأكمله. هذا الحرمان لم يكن مجرد تقصير تقني، بل انعكاس لسياسات النظام التي حولت خدمة عامة أساسية إلى أداة ضغط سياسي، بما يضمن استمرار شبكات الولاءات والتحكم في الموارد الحيوية.

تشير بيانات الوكالة الدولية للطاقة لعام 2007 إلى أن القدرة التوليدية المركبة للشبكة لم تتجاوز 1,223 ميغاوات، وكانت بعض المحطات الأساسية، مثل محطة مأرب الغازية، تعمل بطاقة 340 ميغاوات فقط من أصل قدرة 498 ميغاوات. التقرير يؤكد أن هذا العجز لم يكن حادثًا عرضيًا، بل نتيجة تعمّد إبقاء الاستثمارات ضعيفة وإهمال الصيانة، ما فتح الباب لاستغلال المال العام في صفقات وعقود مشبوهة لصالح نخبة ضيقة، بينما ظل المواطن رهينة الانقطاع المستمر.

وفق تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الصادر عام 2008، تجاوز فاقد الشبكة الفني والتجاري 35٪، أي أن جزءًا كبيرًا من الكهرباء المنتجة لم يصل للمستهلك. التقرير يوضح أن هذه النسبة المرتفعة تعكس إهمالًا ممنهجًا واستنزافًا للمال العام، إذ كانت الأموال تُصرف على محطات متدهورة وعقود صيانة غير فعالة، بدلاً من تعزيز الإنتاجية وخدمة المواطنين، مما يجعل الظلام اليومي سياسة متكاملة وليست مجرد قصور تقني.

متوسط استهلاك الفرد السنوي قبل 2009 لم يتجاوز 243 كيلوواط ساعة، أي حوالي سدس المتوسط الإقليمي في الشرق الأوسط، وفق بيانات البنك الدولي. هذا الحرمان كان نتيجة مباشرة لضعف الشبكة وارتفاع كلفة التشغيل واعتماد المواطنين على مصادر بديلة، ما يبرز كيف أن النظام حول الكهرباء من حق أساسي إلى أداة سيطرة مالية وسياسية، بينما تُستنزف الموارد العامة دون أي جدوى حقيقية للمواطنين.

ما سبق يبيّن أن ضعف البنية التحتية للكهرباء لم يكن مجرد إخفاق تقني أو عجز مؤسسي، بل كان جزءًا من استراتيجية ممنهجة لتحويل الخدمات الحيوية إلى أدوات استغلال مالي وسياسي. الأرقام والبيانات تظهر كيف أن القرار السياسي للنظام كان متعمّدًا لإبقاء القدرة التوليدية منخفضة، وضبط الشبكات على مستويات هشّة، بحيث يُستنزف المال العام في عقود مشبوهة وعمولات شخصية، بينما يبقى المواطن رهينة الانقطاع المستمر. هذا يعكس أن الظلام اليومي في المدن والريف لم يكن صدفة، بل نتيجة سلسلة متكاملة من السياسات التي صممت للحفاظ على نفوذ النخبة، وتعميق الفساد، وإحكام السيطرة على الموارد الحيوية للدولة، مع حرمان اليمنيين من أبسط حقوقهم الأساسية، وتكريس استغلال الدولة بأكملها لصالح شبكة عائلية وسياسية محدودة.

عقود الطاقة.. استنزاف ونهب ممنهج

انتقالًا من ضعف البنية التحتية، يظهر تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة لعام 2007 حجم الفساد المالي الذي استغل الانعدام شبه الكامل للرقابة على قطاع الكهرباء. فقد استحوذ نظام علي عبدالله صالح على ما بين 32 و60 مليار دولار من المال العام، وكان جزء كبير منها مرتبطًا ببرنامج دعم الوقود الذي تستخدمه محطات الكهرباء. التقرير يشير إلى أن هذه الأموال كانت تُحوَّل ضمن صفقات وعقود مريبة تُمنح لشركات مرتبطة بالنظام، بدل أن تُستثمر في زيادة القدرة الإنتاجية أو تحسين الخدمة، ما يربط مباشرة بين القرار السياسي لحرمان المواطنين والفساد المالي المنهجي.

بحسب تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2008، عقود شراء الوقود والمشتقات النفطية لم تُمنح عبر منافسات عامة أو رقابة فعالة، بل غالبًا بطريقة مباشرة لشركات محددة، ما أدى إلى تضخيم الأسعار وإهدار الموارد المالية. هذا النمط ليس مجرد فساد مالي، بل توسيع للسيطرة السياسية على موارد الدولة، حيث أصبح كل انقطاع كهرباء طويل جزءًا من شبكة الاستغلال التي تديرها النخبة الحاكمة.

توضح دراسة البنك الدولي أن عقود الصيانة وشراء قطع الغيار لم تُنفَّذ بشكل فعال، ما أدى إلى استمرار ضعف القدرة التشغيلية للمحطات. الأموال العامة كانت تُصرف على صفقات وهمية أو شركات بلا خبرة، مع غياب أي آليات رقابية، ما يجعل القطاع أداة لتراكم الثروات الشخصية للنظام بدلاً من خدمة الدولة، ومكملًا لسياسات الحرمان التي وصفناها في المحور الأول.

كما يبيّن تقرير الوكالة الدولية للطاقة لعام 2007 أن الاعتماد شبه الكامل على الوقود المستورد وارتفاع تكلفته مع ضعف الرقابة تسبب في خسائر مالية ضخمة، ما يعكس سياسة متعمدة لتحويل الكهرباء إلى أداة استنزاف مالي. هذا الربط بين ضعف البنية التحتية والفساد المالي يوضح كيف أن كل قرار إداري كان مرتبطًا بخدمة شبكة ولاءات النظام، بينما ظل الشعب في الظلام.

الفساد في قطاع الكهرباء كان أداة لتحويل الحق العام إلى ملكية خاصة للهالك عفاش وعائلته وحاشيته التي حكمت البلاد لأكثر من ثلاثة عقود. كل ضعف في الإنتاجية وانقطاع طويل لم يكن صدفة، بل قرار متعمد لتثبيت هيمنة النظام والسيطرة على المجتمع. الأموال العامة تُستنزف في عقود وصفقات سرية، بينما يبقى المواطن في الظلام، شاهداً على منظومة فساد متكاملة تمتد من أعلى هرم السلطة إلى أدنى مستويات تشغيل القطاع.

 

عندما يصبح الظلام قرارًا سياسيًا

تقرير البنك الدولي لعام 2008 يوضح أن غياب الرقابة على الإيرادات وتحويلها إلى الحسابات الرسمية أدى إلى تراكم ديون وعدم توفير صيانة فعالة للشبكات، ما أضعف القدرة التشغيلية للمحطات بشكل متكرر. هذا الفشل المؤسسي لم يكن مجرد عجز تقني، بل نتيجة سوء إدارة ممنهج لخدمة مصالح شبكة الولاءات السياسية، وتحويل الكهرباء من حق أساسي إلى أداة ضغط اجتماعي وسياسي، مستفيدًا من الأموال التي تم استنزافها كما أوضح المحور الثاني.

وفق تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2008، النظام أبقى الاعتماد على شركات محددة لتوريد الوقود والصيانة، مانعًا أي توسعات استراتيجية لزيادة القدرة الإنتاجية، ما يعكس تحكمًا متعمدًا في الخدمات الحيوية لضمان ولاء الأفراد والشركات المرتبطة بالنظام. هذا يربط مباشرة بين الفساد المالي والإداري من المحور الثاني، وبين الحرمان اليومي للمواطن الذي ناقشناه في المحور الأول.

تقرير الوكالة الدولية للطاقة لعام 2007 يوضح أن السياسات التشغيلية رفعت تكلفة الإنتاج بشكل متعمد، واعتمدت على الوقود المستورد لتكريس استنزاف المال العام، مما يحوّل الكهرباء إلى أداة سياسية واقتصادية لخدمة نخبة محدودة. هذا الربط بين الفساد المؤسسي، المالي، وسياسات التشغيل يظهر أن الانقطاعات اليومية الطويلة كانت قرارًا استراتيجيًا للنظام، وليس مجرد نتيجة ضعف تقني، ويعطي صورة كاملة عن المنظومة المتكاملة للفساد التي سيطرت على قطاع الكهرباء لعقود.

بهذا النمط من الإدارة، لم تعد الكهرباء قطاعًا خدميًا، بل تحولت إلى أداة حكم. التحكم في الوقود، تعطيل الصيانة، تضخيم كلفة التشغيل، وترك الشبكة تغرق في الديون لم تكن اختلالات منفصلة، بل أجزاء من معادلة واحدة: إدارة العجز بدل معالجته، واستثمار الظلام بدل إنهائه. النظام لم يفشل في تشغيل الكهرباء، بل نجح في توظيف فشلها سياسيًا واقتصاديًا، لضمان استمرار شبكة المصالح التي تربط المال بالسلطة، وتربط الحرمان اليومي ببقاء النفوذ.


ظلام دامس يفضح فساد الهالك عفاش

التحليل والأرقام الموثّقة تكشف أن أزمة الكهرباء في اليمن لم تكن مجرد إخفاق تقني أو عجز مؤسسي، بل سياسة متعمدة لتحويل خدمة أساسية إلى أداة نفوذ وثراء خاص. كل ضعف في القدرة التشغيلية، وكل عقود مشبوهة، وكل انقطاع طويل كان جزءًا من منظومة فساد متكاملة سيطر عليها الهالك عفاش وعائلته وحاشيته السياسية، ليصبح المواطن رهينة حرمان مستمر بينما تُستنزف الأموال العامة بلا رقيب أو حساب.

هذه الحقائق تثبت أن الانقطاعات اليومية الطويلة والاعتماد على وقود باهظ الكلفة لم تكن نتيجة ظروف طبيعية أو عشوائية، بل أداة لتثبيت النفوذ، وضمان الولاءات، وتحويل الدولة إلى ملكية شخصية لشبكة محدودة. أي محاولة لتلميع فترة حكمه أو الادعاء بإنجازات حقيقية في قطاع الكهرباء تتهاوى أمام هذه الأرقام والوثائق، التي توثق حجم الاستغلال الممنهج للمال العام وسياسات الحرمان التي مارستها السلطة لعقود.

 

موقع 21 سبتمبر..