حين تحوّلت الأرض إلى سلاح.. الزراعة ومعركة الاكتفاء الذاتي بعد ثورة 21 سبتمبر
حين تحوّلت الأرض إلى سلاح.. الزراعة ومعركة الاكتفاء الذاتي بعد ثورة 21 سبتمبر
تقرير – أحمد قحيم
لم تكن معركة اليمن مع قوى العدوان والاستكبار معركة عسكرية فحسب، بل كانت – في جوهرها العميق – معركة على لقمة العيش، وعلى من يمتلك قرار الغذاء ومن يتحكم برغيف الخبز.. لعقود طويلة، جرى تفريغ الأرض اليمنية من دورها الإنتاجي، وتحويل المجتمع من شعب يزرع ويكتفي إلى مستهلك مرتهن لمخازن القمح العالمية، في إطار سياسة ممنهجة هدفت إلى إخضاع القرار الوطني عبر سلاح الغذاء.
وجاءت ثورة 21 سبتمبر لتقلب هذه المعادلة رأساً على عقب، محرِّرة القرار السياسي، ومؤسِّسة لمسار تحرري شامل كان في صلبه تحرير الزراعة من التبعية، وتحويل الاكتفاء الذاتي من شعار أخلاقي إلى مشروع وطني وسيادي متكامل.
كيف صُنعت التبعية الغذائية؟
عانى القطاع الزراعي في اليمن قبل ثورة 21 سبتمبر المجيدة من اختلالات بنيوية عميقة، لم تكن ناتجة عن ضعف في الموارد أو قصور في الإنسان، بل عن سياسات متعمدة هدفت إلى:
-
تفكيك البنية الإنتاجية الريفية وإهمال صغار المزارعين.
-
إغراق السوق بالواردات، خصوصاً القمح والذرة الشامية، بما حوّل الزراعة المحلية إلى نشاط خاسر.
-
ضرب السيادة على البذور عبر الارتهان للشركات الأجنبية والبذور المستوردة.
-
تحويل الإغاثة إلى بديل عن الإنتاج، واستخدام المنظمات الدولية كأداة تعطيل ناعمة للاعتماد على الذات.
وتُظهر الأرقام حجم الكارثة: فجوة غذائية قاربت 94% في القمح، وأكثر من 86% في الذرة الشامية، مع فاتورة استيراد تجاوزت المليار دولار سنوياً، في بلد يمتلك ملايين الهكتارات الصالحة للزراعة وملايين الأيدي القادرة على العمل.
هذا الواقع لم يكن مجرد خلل اقتصادي، بل تهديداً مباشراً للأمن القومي، جعل الغذاء أداة ابتزاز سياسي بيد واشنطن وحلفائها، وسلاحاً موازياً للطائرات والصواريخ في حربهم على اليمن.
ثورة زراعية من قلب الحصار
1. تحرير الفلسفة الزراعية.. من الفرد إلى المجتمع
أحد أهم التحولات التي قادتها ثورة 21 سبتمبر المباركة تمثّل في الانتقال من الزراعة الفردية المعزولة إلى نموذج المجاميع الإنتاجية وسلاسل القيمة، حيث جرى:
-
تنظيم صغار المزارعين (أكثر من مليون حيازة) في مجاميع متخصصة.
-
خفض تكاليف الإنتاج ورفع الإنتاجية عبر التوسع الرأسي.
-
ربط الحقل بالصناعة والتسويق ضمن دورة وطنية متكاملة.
هذا النموذج لم يكن تقنياً فقط، بل اجتماعياً وثقافياً، أعاد بناء الثقة والتكافل داخل الريف اليمني، وقلّص النزاعات على الأرض والمياه.
2. القمح والذرة.. كسر الحلقة الأخطر
في الفترة ما بين 2020 – 2025، شهد قطاع الحبوب تحولات نوعية:
-
محافظة الجوف تحولت إلى سلة غلال، مع قفزات كبيرة في المساحات المزروعة والإنتاج، وانخفاض كلفة الكيس المحلي إلى مستوى منافس للمستورد.
-
الحديدة وتهامة استعادتا دورهما التاريخي، محطمتين الخرافة التي رُوّجت لعقود بعدم جدوى زراعة القمح في المناطق الساحلية.
-
الذرة الشامية خرجت من دائرة الارتهان للأعلاف المستوردة، بفضل الزراعة التعاقدية وربط المزارعين مباشرة بمصانع الأعلاف والدواجن.
3. السيادة على البذور والتقنية
في قلب المعركة، جرى إدراك أن الاكتفاء لا يكتمل دون امتلاك البذرة والآلة، فكان التوجه نحو:
-
إنتاج آلاف الأطنان من بذور القمح المحلية المحسنة.
-
كسر احتكار الشركات الأجنبية للبذور المعدلة وراثياً.
-
توطين تصنيع الآلات الزراعية (فراطات، مجففات شمسية، خطوط عسل، معدات تقشير)، بما خفّض الكلفة ورفع القيمة المضافة.
4. المؤسسات والمجتمع في خندق واحد
برز دور:
-
الجمعيات التعاونية الزراعية كذراع ميداني ضارب.
-
مؤسسة بنيان التنموية في هندسة المشاركة المجتمعية وصناعة “فرسان التنمية”.
-
المساجد والمدارس والمجالس كمحاضن وعي وتعبئة، حولت الزراعة من مهنة إلى قضية سيادة.
الاكتفاء الذاتي كفريضة إيمانية وسيادية
تنطلق الرؤية التي تحكم هذا التحول من منطلق قرآني واضح، أكّد عليه السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي – يحفظه الله – في خطاباته المتعددة، ومفاده أن:
-
الاعتماد على الذات جزء من كمال الإيمان.
-
ترك الأرض بوراً مع القدرة على زراعتها تفريط في نعمة الله.
-
التحرر من التبعية الاقتصادية شرط للتحرر السياسي.
فالقرآن الكريم يربط بين الإيمان والعمل، وبين شكر النعمة وحفظها، ويجعل من السعي في الأرض وإعمارها سلوكاً إيمانياً، لا خياراً ثانوياً.. ومن هذا المنطلق، تحولت الزراعة في اليمن بعد ثورة 21 سبتمبر إلى جبهة جهاد تنموي، تقف في مواجهة الحصار، وتكسر سلاح التجويع، وتحمي كرامة الإنسان اليمني.
ثورة 21 سبتمبر.. حين عادت الأرض إلى أهلها
إن ما يشهده القطاع الزراعي في اليمن اليوم ليس إصلاحاً عابراً، بل تحولاً تاريخياً في علاقة الإنسان بالأرض والدولة بالاقتصاد.. لقد أعادت ثورة 21 سبتمبر الاعتبار للزراعة كقضية سيادة، وحررت القرار الزراعي من الوصاية الأمريكية والخليجية، وفتحت الطريق أمام مشروع وطني طموح يجعل من اليمن بلداً منتجاً، قادراً على إطعام نفسه، وصامداً في وجه أعتى أدوات الحرب والعدوان.
إنها معركة طويلة، نعم، لكنها معركة محسومة الاتجاه، ما دام القرار محرراً، والإرادة حية، والأرض ما تزال تنبض بالعطاء.
موقع 21 سبتمبر.