يحيى السنوار.. هندسة “الطوفان” ورسائل الثبات من غزة إلى اليمن
الجوف نت | تقرير خاص
التاريخ: 17 أكتوبر 2026
في المشهد الأخير من حياته، ارتقى الشهيد القائد يحيى السنوار مقاتلاً في الخطوط الأمامية بمدينة رفح، متسلحاً بجعبته وسلاحه، ليختم مسيرة حافلة بالمواجهة والاشتباك المباشر. غير أن دلالات هذا الاستشهاد لا تتوقف عند لحظة الارتقاء، بل تمتد لتسلط الضوء على رؤية قيادية متكاملة أعادت تعريف الصراع مع العدو الصهيوني، وحولت غزة من جغرافيا محاصرة إلى محور مركزي يُعيد رسم الخارطة السياسية والعسكرية في المنطقة.
مسيرة أصلت لمفهوم “المقاومة السارية”
شكلت حياة السنوار محطات مكثفة من التحدي؛ فمن مواليد مخيم خان يونس عام 1962، إلى عقود طويلة قضاها خلف أقبية السجون الصهيونية، استطاع خلالها دراسة بنيوية العدو وفهم آليات تفكيره. وبعد تحرره في صفقة «وفاء الأحرار» عام 2011، عاد للعمل التنظيمي والعسكري ليتولى رئاسة الحركة في غزة، ثم رئاسة مكتبها السياسي في أغسطس 2024.
اعتمد السنوار في إدارته للصراع على رؤية “النفس الطويل”، رافضاً القبول بمعادلات الهدوء مقابل تحسين شروط الحصار، ومُصرّاً على ربط قضية القطاع بالثوابت الفلسطينية الكبرى: القدس، الأسرى، وحق العودة.
طوفان الأقصى.. زلزال المبادرة وتكسير استراتيجيات العدو
جاءت عملية «طوفان الأقصى» في السابع من أكتوبر 2023 لتشكل التحول الاستراتيجي الأبرز في تاريخ المواجهة الحديثة. لم تكن العملية مجرد رد فعل عسكري، بل كانت ضربة استباقية ومبادرة شلّت منظومات التنبؤ والأمن لدى الكيان الصهيوني.
- كسر أسطورة التفوق: أثبتت العملية أن المقاومة قادرة على المبادرة وتجاوز المعايير العسكرية التقليدية للعدو.
- إعادة القضية للمركز: أجهضت المخططات الإقليمية والدولية التي كانت تسعى لتهميش القضية الفلسطينية وتمرير مشاريع التطويع.
- ترسيخ خيار الشهادة: تجسدت فلسفة القائد السنوار في مقولته الشهيرة: «أكبر هدية يمكن أن يقدمها الاحتلال لي هي أن يغتالني وأن أقضي إلى الله شهيداً»، وهو ما تحول إلى دافع معنوي واسع النطاق.
اليمن وغزة.. كسر الحصار الجغرافي والسياسي
من أبرز أبعاد الفكر السياسي والعسكري للسنوار هو إدراكه لأهمية تفعيل جبهات الإسناد وعدم السماح للعدو بالاستفراد بقطاع غزة. وفي هذا السياق، جاءت رسالته الشهيرة إلى قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي في سبتمبر 2024، لتؤكد على عمق التنسيق والشراكة الميدانية.
تجلت أهمية هذه الرسالة الاستراتيجية في التأكيد على وحدة المعركة بهدف إفشال مخطط العدو في عزل غزة عن محيطها العربي والإسلامي. كما تضمنت إشادة واضحة بالعمليات اليمنية، مثمنة فرض الحصار البحري ووصول الصواريخ إلى عمق الكيان. وشددت الرسالة على تكامل جبهات المقاومة، رابطةً بين عمليات غزة، واليمن، ولبنان، والعراق كمنظومة ضاغطة واحدة.
لقد رأى السنوار أن الدعم القادم من صنعاء يمثل تحولاً عملياً تجاوز حدود التضامن السياسي إلى الفعل الميداني المباشر، ما أسهم في إرباك حسابات الكيان الصهيوني وداعميه الدوليين.
إرث الفكرة وصمود المبدأ
بعد عامين على رحيله، يتضح أن استشهاد القادة لا ينهي ظاهرة المقاومة، بل يعزز بنيتها ويزيد من انتشار فكرتها. إن التطورات الميدانية والسياسية تؤكد أن المقاومة مؤسسة لا تنتهي بالأفراد، حيث بنيت الهياكل العسكرية والسياسية لتستمر وتتطور بغض النظر عن طارئ الاغتيالات.
ويثبت استمرار موقف اليمن والجبهات المساندة أن معادلة “تلازم الساحات” أصبحت واقعاً ثابتاً في المنطقة، وأن سياسة الاغتيالات لم تحقق أهداف العدو في حسم المعركة أو إنهاء خيار المواجهة.
خلاصة:
يظل يحيى السنوار نموذجاً للقائد الذي جمع بين التخطيط الميداني والرؤية الإقليمية المتكاملة. وإن كانت محاولات العدو قد ركزت على تحييد الأشخاص، فإن الواقع الميداني الممتد من غزة إلى صنعاء يؤكد أن “الطوفان” أضحى مساراً ممتداً وفكرة عصية على الانكسار.