هل تعرفون لماذا يجب على مصر أن تبتعد عن الحروب؟


فيما أقحم العدو السعودي المنطقة لخوض حربها التي تهدف إلى تأمين العدو الإسرائيلي وتعزيز تواجده في البحر الأحمر نتيجة إغلاق مضيق هرمز، فإن طرق التجارة والطاقة ستتعرض بالضرورة لاضطرابات متلاحقة، وهنا تبرز حقيقة استراتيجية مهمة، أن الحروب لا تستنزف الجيوش وحدها، بل تضرب الاقتصادات، وتهرب الاستثمارات، وتبدد فرص التنمية، وفي المقابل، قد تجد الدول التي تحافظ على استقرارها فرصة استثنائية لتعزيز مكانتها الاقتصادية إذا أحسنت استثمار التحولات الإقليمية، وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، بشأن تزايد اهتمام دول خليجية وآسيوية باستخدام الأراضي المصرية مراكزَ للتخزين وإعادة التصدير، أهمية تتجاوز بعدها التجاري؛ إذ تعكس تحولات محتملة في خريطة التجارة العالمية، في ظل اضطراب سلاسل الإمداد والملاحة البحرية، وتفتح الباب لتتحول مصر إلى أحد أبرز المستفيدين اقتصاديًا من الصراع الدائر في المنطقة

 

 

أعده للنشر | طارق الحمامي

 

الحروب تطرد الاستثمارات.. والاستقرار يجذبها

عندما تتصاعد الحروب، ترتفع تكاليف الشحن والتأمين، وتضطرب الأسواق، وتتراجع ثقة المستثمرين، وتصبح المشروعات أكثر عرضة للخسائر، لذلك تبحث الشركات عن بيئات أكثر استقرارًا تضمن استمرار أنشطتها وسلاسة وصول بضائعها إلى الأسواق، ومن هنا، قد تستفيد مصر من انتقال جزء من الأنشطة التجارية واللوجستية إلى أراضيها، ليس لأنها بمنأى عن تداعيات الصراع، بل لأنها تمتلك مقومات جغرافية وبنية تجارية يمكن تطويرها لتوفير بدائل مناسبة، فالاستقرار ليس مجرد غياب للحرب، بل ميزة اقتصادية تزداد قيمتها كلما ارتفعت المخاطر في المحيط الإقليمي.

 

 

قناة السويس.. سلاح الجغرافيا وورقة النفوذ

تمتلك مصر موقعًا استراتيجيًا يربط إفريقيا بآسيا وأوروبا، وتمنحها قناة السويس مكانة محورية في حركة التجارة العالمية، ومع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وغيره من المسارات البحرية، تتزايد أهمية البحث عن حلول بديلة لإدارة سلاسل الإمداد وتخزين البضائع وتوزيعها، ولا تعني هذه التطورات أن قناة السويس بديل ملاحي مباشر لمضيق هرمز، فلكل منهما وظيفته؛ لكنها قد تعزز الطلب على الخدمات اللوجستية المصرية، وتمنح القاهرة فرصة لتوسيع دورها التجاري والاستثماري،
وهنا تتحول الجغرافيا من مجرد موقع إلى مصدر للقوة الاقتصادية، شريطة أن تمتلك الدولة القدرة على توظيفها بكفاءة.

 

 

من ممر لعبور السفن إلى مركز للإنتاج والتصنيع

الفرصة الحقيقية أمام مصر لا تكمن في رسوم عبور السفن وحدها، بل في التحول إلى مركز إقليمي للتخزين والتوزيع والتصنيع، فبدلًا من مرور البضائع عبر الأراضي المصرية، يمكن تخزينها وإعادة تعبئتها وتجميعها وتصنيعها جزئيًا قبل تصديرها إلى الأسواق المستهدفة، وهذا يعني استثمارات جديدة، وفرص عمل، وتشغيلًا للموانئ والمستودعات، وتنشيطًا لقطاعات النقل والخدمات، وتطويرًا للبنية التحتية، المكسب الأكبر ليس أن تمر تجارة العالم عبر مصر، بل أن يصبح جزء من إنتاجها وتوزيعها مرتبطًا بالاقتصاد المصري.

 

 

علاقات اقتصادية تعزز المكانة السياسية

إن ارتباط مصالح دول وشركات كبرى بالموانئ والمراكز اللوجستية المصرية قد يعزز العلاقات الاقتصادية مع القاهرة، ويزيد أهمية استقرارها بالنسبة إلى شركائها، لكن تحويل هذا الترابط إلى نفوذ سياسي ليس أمرًا تلقائيًا؛ بل يتطلب إدارة متوازنة للعلاقات الدولية، وبيئة استثمارية موثوقة، وقدرة على حماية المصالح الوطنية، ومن هنا، فإن تجنب الانخراط العسكري مع السعودية لا يعني الانعزال عن الصراع، بل يمكن أن يتيح مساحة أوسع للوساطة الدبلوماسية، وبناء الشراكات، وخفض التصعيد، وحماية الاقتصاد من كلفة المواجهات المباشرة.

 

الفرصة الذهبية.. هل تستطيع مصر استثمارها؟

رغم هذه الإمكانات، فإن الاستفادة من التحولات الإقليمية تحتاج جاهزة عالية في الموانئ والمستودعات وشبكات النقل والإجراءات الجمركية، والتحدي الحقيقي هو تحويل الفرصة المؤقتة إلى استثمارات طويلة الأجل، ومشروعات إنتاجية، وقيمة مضافة محلية، لا الاكتفاء بمكاسب مرتبطة بظروف الحرب،
كما أن مصر نفسها تتأثر باضطراب الملاحة وارتفاع تكاليف الطاقة والشحن، وهو ما يجعل الموازنة بين المكاسب المحتملة والخسائر ضرورة اقتصادية.

 

لا حرب .. فرصة أكبر للتنمية

تؤكد التجارب التاريخية أن كلفة الحروب لا تنتهي بتوقف إطلاق النار، بل قد تمتد لسنوات عبر الديون والخسائر الاقتصادية وتعطل التنمية، أما الدول التي تحافظ على استقرارها، وتستثمر موقعها وقدراتها في الإنتاج والتجارة، فتملك فرصة لتعزيز قوتها الاقتصادية والسياسية. وبالنسبة إلى مصر، فإن الجغرافيا وقناة السويس والعلاقات الإقليمية تمنحها مقومات مهمة، لكن تحويلها إلى مكاسب مستدامة يتطلب إدارة كفؤة ورؤية تنموية واضحة، فالقوة ليست في خوض الحروب وحدها، بل في معرفة متى يجب تجنبها، وكيف تُحمى مقدرات الشعوب، وتُحوَّل فرص الأزمات إلى إنجازات، والقاعدة التي ينبغي إدراكها أن الاستقرار يفتح أبواب التنمية، لكن التخطيط والعمل هما ما يحولان الفرص إلى قوة اقتصادية حقيقية.

يمانيون