«بناءً على توجيهات الملك..!».. تصريحات السيسي تفتح باب التورط المصري في حرب اليمن

«بناءً على توجيهات الملك..!».. تصريحات السيسي تفتح باب التورط المصري في حرب اليمن


بينما يواجه قطاع غزة حربًا مدمرة وتحتاج فلسطين إلى موقف عربي وإسلامي يرتقي إلى حجم المأساة، يأتي الاستعداد المصري المعلن على لسان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي للدفاع عن النظام السعودي ليحوّل البوصلة من نصرة الضحية والملظوم إلى حماية الجلاد المجرم، غير أن اليمن ليس ساحة مفتوحة للتجارب؛ فتاريخ التدخلات الأجنبية فيه يثبت أن الجغرافيا والإنسان اليمني قادران على تحويل الحملة العسكرية إلى استنزاف طويل، وأن من يذهب إليه غازيًا قد يجد نفسه أمام مقبرة للغزاة.

تقرير | محسن علي

لم يعد الأمر تصريحًا عابرًا عن التضامن مع السعودية، بعد إعلان السيسي أن مصر ستنفذ «أي إجراء» تطلبه الرياض للدفاع عن أمنها وسيادتها، وفق ما أعلنه وصرح به كالتزام بتوجيهات الملك السعودي وولي عهده، إلى جانب دعوته البرلمان إلى عقد جلسة طارئة للتصديق على القرار إذا طلبت السعودية ذلك، وبينما أُعلن لاحقًا عن عقد جلسة عامة لمجلس النواب استجابة لطلب الرئيس، يبرز سؤال جوهري: كيف تتحول دولة بحجم مصر إلى طرف ينتظر طلبًا من دولة أخرى لتحديد مصير جيشه؟

والعبارة الأكثر إثارة للجدل في تصريحات السيسي ليست الحديث عن الدفاع عن السعودية فحسب، بل قوله إن مصر ستنفذ «أي إجراء» تطلبه المملكة، وأن ذلك يأتي «طبقًا لتوجيهات» الملك وولي عهده، فهذه اللغة تتجاوز حدود التضامن السياسي، وتمنح طرفًا خارجيًا مساحة واسعة لتحديد طبيعة الدور المصري ومداه وتوقيته، في وقت يفترض أن تكون قرارات الحرب والسلم انعكاسًا لمصلحة مصر وأمنها القومي، لا استجابة مفتوحة لطلب حليف ثري يرى فيها المال أغلى من الدم المصري.

 

عودة إلى مسار الظلم والإجرام

ولا تتعلق خطورة الموقف بالتصريح وحده، بل بالسياق الذي صدر فيه؛ إذ سبق لمصر أن أعلنت عام 2015 انضمامها إلى ما أُطلق عليه «عاصفة الحزم»، التي قادتها السعودية بدعم أمريكي وغربي وتواطؤ عربي في اليمن، كما مددت مشاركتها في التحالف عام 2017، ومن ثم، فإن أي استجابة جديدة لطلب سعودي لن تكون خطوة منفصلة، بل عودة إلى مسار أثبت أن الحرب لم تنتج حسمًا سريعًا، ولم تُنهِ الأزمة، بل راكمت الخسائر الإنسانية والسياسية وعمّقت الانقسام.

وفي لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تضع تصريحات السيسي الجيش المصري أمام احتمال التورط إلى جانب السعودية في مواجهة جديدة مع اليمن، لا بقرار مصري مستقل ومعلن، بل استجابة لطلب سعودي وتحت سقف حسابات الرياض، متناسيا جريمة ذات  دلالة أشد قسوة عند استعادة مشهد ديسمبر 2017، حين أفادت تقارير بأن غارات للتحالف السعودي استهدفت النصب التذكاري للجنود المصريين في صنعاء، لتصبح ذاكرة أولئك الجنود الذين سقطوا في اليمن شاهدًا على سؤال لا يزال حاضرًا: هل يُعاد إرسال المصريين إلى الأرض نفسها التي لم تحمِ فيها الغارات حتى رمزًا يخلّد قتلاهم؟

 

البرلمان المصري أمام اختبار التاريخ

وتزداد خطورة الموقف مع الإعلان عن طلب عقد جلسة طارئة لمجلس النواب المصري للتصديق على قرار الدفاع عن السعودية إذا طلبت الرياض ذلك، فالمسألة لم تعد احتمالًا نظريًا أو رسالة دبلوماسية، بل تحولت إلى مسار مؤسسي قد يفضي إلى تفويض عسكري، وبحسب ما نُقل عن التلفزيون المصري، قرر مجلس النواب عقد جلسة عامة في اليوم التالي بناءً على طلب الرئيس؛ وهو تطور يجعل الرأي العام المصري أمام استحقاق مباشر يتعلق بأرواح الجنود وبحدود الدور الذي يمكن أن تؤديه القوات المسلحة خارج الحدود.

وهنا يطرح منتقدو القرار سؤالًا جوهريًا: هل يُدفع الجيش المصري إلى حرب جديدة في اليمن خدمةً لمعادلات المال والنفوذ السعودي؟ إن وصف الأمر بأنه «متاجرة بأرواح الجيش» يظل حكمًا سياسيًا يطلقه المعارضون، لكنه يستند إلى خشية واضحة من أن يتحول الجندي المصري إلى وقود لصراع لا يملك تحديد أهدافه، بينما تتحمل مصر كلفة الدم والاقتصاد والسمعة، وقد لا تحصد سوى مزيد من الاستنزاف.

 

القبر المصري  في مرمى الغارات السعودية

والأخطر أن الذاكرة اليمنية والمصرية تحتفظان بواقعة لا يمكن تجاوزها بسهولة، ففي 25 ديسمبر 2017، نشرت صحيفة «المصري اليوم» بأن غارة للسعودية استهدفت منزل حارس «القبر المصري» في منطقة عصر غرب صنعاء، وأن الغارات أسفرت، وفق مصادر طبية نقلها التقرير، عن مقتل 11 شخصًا وإصابة أربعة، بينهم أطفال، مع أضرار لحقت بالنصب التذكاري. كما وصفت مصادر يمنية الغارة بأنها دمرت منزل الحارس وأصابت القبر المصري، بدلالتها السياسية الواضحة وهي: الحرب التي تُخاض في اليمن لا تضمن سلامة الرموز أو الجنود أو المدنيين، وقد تنقلب على ذاكرة مصر نفسها.

ومن المفارقات الثقيلة أن تدفع القاهرة اليوم باتجاه تدخل جديد في البلد نفسه، بينما لا تزال صورة النصب المدمّر حاضرة في الذاكرة، فكيف يمكن أن يُطلب من المصريين إرسال أبنائهم إلى حرب، فيما لم تُصن حتى رموز جنودهم الذين سقطوا في اليمن؟

 

غزة أقرب من اليمن

ولا ينفصل هذا المسار عن التناقض الذي يراه منتقدو السيسي في التعامل مع فلسطين، فالقاهرة تعلن دعم المساعدات ورفض تهجير الفلسطينيين، لكن الاستعداد العسكري للدفاع عن السعودية يبدو، في نظر هؤلاء، أكثر وضوحًا وحسمًا من القدرة على ممارسة ضغط فعلي يوقف حرب غزة، وبينما تُترك فلسطين أمام بيانات الإدانة والمساعدات المحدودة، يُفتح الباب أمام تحرك عسكري واسع استجابة لطلب الرياض.

أما اليمن، فليس ساحة مضمونة لمن يملك المال أو التفوق الجوي، فتاريخه يؤكد أن التدخلات الخارجية تتحول إلى استنزاف طويل، وأن الجغرافيا والإنسان اليمني قادران على إفشال الحسابات السريعة، لذلك فإن عبارة «اليمن مقبرة الغزاة» ليست مجرد شعار تعبوي، بل تحذير سياسي وعسكري من مغبة التعامل مع البلاد كمساحة مفتوحة للنفوذ.

كما أن حماية الأمن المصري لا تبدأ من الرياض، بل من رفض تحويل القوات المسلحة إلى ورقة في صراعات الآخرين، ونصرة فلسطين لا تُقاس بالبيانات وحدها، بل بمدى القدرة على استخدام الموقع الجغرافي والسياسي والإنساني لوقف التجويع والتهجير والعدوان، أما اليمن، الذي واجه حملات إمبراطورية وإقليمية متعاقبة، فليس طريقًا مضمونًا إلى نصر سعودي، ولا ساحة يمكن اختزالها في طلب دعم أو قرار برلماني.

 

ختاما

قبل أن يفتح البرلمان المصري بابًا لتدخل جديد، وقبل أن تُرسل القاهرة أبناءها إلى محرقة جديدة في اليمن، يبقى السؤال: هل يتذكر السيسي دماء الجنود المصريين وذاكرة نصبهم في صنعاء؟ وهل تكون الأولوية لحماية غزة وردع العدو الصهيوني، أم لحماية حسابات الرياض نظرا لأموالها ؟ ومن يضمن أن لا يتحول الجيش المصري إلى وقود المعركة القائمة ، فيما يثبت اليمن مرة أخرى أنه ليس ساحة للغزاة، بل مقبرة لكل من يستخف بأرضه وشعبه؟

 

 

يمانيون.