حين تحوّل الرياض المطارات إلى أهداف.. صنعاء تطلق إنذار النجاة وتحمل السعودية مسؤولية دماء المسافرين


حين تُقصف المطارات اليمنية بلا إنذار، ويُحاصر مطار صنعاء حتى يصبح سفر المريض والطالب والعالق امتيازًا مشروطًا، ثم تُفتح مطارات الطرف المعتدي أمام المدنيين رغم تحذيرات معلنة ومسبقة، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بالطيران وحده، بل بالمسؤولية عن أرواح المسافرين، من هنا ترفع صنعاء إنذارها: أجواء المملكة ومطاراتها ليست بمنأى عن تداعيات العدوان والإجرام السعودي بحق اليمنيين، وشركات الطيران مطالبة بمراجعة قراراتها والتنسيق مع القنوات الإنسانية قبل تسيير الرحلات، ومع ذلك، تتهم صنعاء الرياض بإدخال المسافرين إلى بيئة عسكرية خطرة وتعريض حياة وأرواح المدنيين الأبرياء للخطر، واستخدام العنوان الإنساني غطاءً لمغامرة سياسية وعسكرية ووقة للمزايدات السياسية واستدرار عواطف العالم ، وفي قلب هذا المشهد، يبرز الموقف اليمني الإنساني ليقول: إن التحذير ليس تهديدًا للمدنيين، بل محاولة لإبعادهم عن دائرة النار التي فتحتها السعودية بقصف المطارات وحصارها.

تقرير | محسن علي

عندما تُستخدم المطارات كسلاح

تكشف أزمة الطيران بين اليمن والسعودية عن واحدة من أكثر صور الحرب قسوة؛ إذ لم تعد المطارات مجرد مرافق مدنية، بل تحولت إلى أدوات ضغط ومواقع محتملة للاستهداف، ومنذ 12 عاما منذ العدوان الأمريكي السعودي على اليمن 2015 ظل مطار صنعاء الدولي محاصرًا ومقيد الحركة، فيما تعرضت بنيته التحتية للقصف والتدمير المنهج والمستمر، وحُرم ملايين اليمنيين من السفر الطبيعي للعلاج والدراسة والعمل ولمّ شمل الأسر.

هذه الوقائع تجعل المطار أكثر من منشأة مدمرة؛ وعنوان لمعاناة يومية طالت عشرات الآلاف المرضى والطلاب والعالقين، ورسالة سياسية عن التدخل السافر والغير منطقي وقانوني في حركة بلد كامل، فحين يصبح خروج المريض للعلاج مرتبطًا بإذن من طرف يحاصر بلاده، تتحول حركة الطيران إلى وسيلة لإدارة الألم، لا إلى خدمة مدنية محايدة.

وفي مواجهة هذا الواقع، أعلنت صنعاء أن المطارات السعودية لم تعد خارج دائرة التداعيات، وأن تشغيل الرحلات إليها في ظل معادلة المطار بالمطار والحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد لا يمكن أن يستمر وكأن الحرب تدور في مكان آخر،غير أن جوهر الرسالة اليمنية، كما تبرزها المعطيات، لا يتمثل في استهداف المدنيين، بل في تحذيرهم من الاقتراب من منشآت أصبحت هي وأجواءها  ساحة عمليات مشروعة لعمليات القوات المسلحة اليمنية.

 

موقف صنعاء: التحذير حماية للمدنيين

تقدم صنعاء موقفها باعتباره إجراءً احترازيًا ذا طابع إنساني، فهي تؤكد إن التحذيرات وُجهت إلى السعودية وشركات الطيران مرارًا وبمختلف اللغات، وإن الأجواء والمطارات السعودية أُعلنت مناطق محظورة إلى حين التنسيق مع مركز العمليات الإنسانية اليمني، حيث تحمل هذه الانذارات دلالة مهمة؛ إذ تضع سلامة المسافرين في مقدمة الخطاب، وتطالب شركات الطيران بعدم التعامل مع الرحلات باعتبارها نشاطًا تجاريًا منفصلًا عن المخاطر العسكرية، فالشركة التي تسيّر رحلة إلى مطار مهدد، بعد تحذير واضح، لا تواجه سؤال الربح والخسارة فقط، بل سؤال المسؤولية عن الركاب والعاملين والطواقم.

ومن هذه الزاوية، لا تقدم صنعاء التحذير كإعلان حرب على المسافرين، بل كإنذار لتجنيبهم فقدان الأرواح ،وهي مفارقة تكشفها الأزمة بوضوح: طرف يقول إنه يحذر المدنيين قبل استهداف منشآت مرتبطة بالعدوان، وطرف آخر يُتهم بتشغيل مطاراته في ظل التهديد، ثم تقديم ذلك بوصفه حماية للمسافرين.

 

مفارقة العنوان الإنساني

رغم هذا التحذير المعلنة لصنعاء إلأ أن النظام السعودي يحاول استغلال العنوان الإنساني، عبر تقديم استمرار الرحلات وتشغيل المطارات باعتباره حرصًا على المدنيين، بينما تتجاهل  أن مطار صنعاء ظل هدفًا للقصف والحصار، وهنا تتشكل المفارقة الأساسية: كيف يمكن لنظام يقيد مطار بلد بأكمله ويقصف بنيته التحتية أن يقدم نفسه حريصًا على سلامة المسافرين في مطاراته؟ بل وتزداد حدة المفارقة عند مقارنتها بالإجراءات التي اتخذتها السعودية خلال جائحة كورونا، حين فُرضت قيود واسعة على السفر والحركة تحت عنوان حماية المعتمرين والمجتمع، أما في زمن التصعيد العسكري، فتقول صنعاء إن الرياض لم تتعامل بالصرامة نفسها مع تحذيرات استهداف المطارات، بل واصلت إدخال المسافرين إلى منشآتها، محولة المدنيين إلى واجهة لسياسة عسكرية محفوفة بالمخاطر.

ولا يقف السؤال عند حدود الخطاب الإعلامي: هل يقبل مسؤولون سعوديون بإدخال أفراد أسرهم إلى مطار أُعلن أنه معرض للاستهداف؟ وإذا كانت الإجابة بالنفي، فكيف يُقبل تعريض المسافرين العاديين للخطر؟

 

معادلة الرد.. وسياقها الإنساني

تربط صنعاء أي تحذير لمطارات السعودية بسجل سابق من قصف مطار صنعاء وحصاره، وهي بذلك تقدم موقفها باعتباره ردًا مشروعا على سياسة عدائية بدأت باستهداف المرافق الجوية اليمنية، ولم تتوقف رغم المطالبات المتكررة بفتح المطار ورفع القيود، لكن أهمية هذه المعادلة لا تكمن في إعلان الرد وحده، بل في ما تكشفه من انتقال التصعيد إلى مستوى جديد: لم يعد استهداف البنية التحتية اليمنية بلا كلفة سياسية أو ميدانية، ولم تعد المطارات السعودية تُعامل باعتبارها مناطق محمية تلقائيًا من تداعيات الواقع القائم.

وفي الوقت نفسه، تضع هذه المعادلة النظام السعودي أمام التزام قانوني وإنساني واضح: حماية المدنيين، والامتناع عن تحويل المطارات إلى أهداف عسكرية، والتمييز بين المنشآت المدنية والمواقع المستخدمة لأغراض عسكرية.

 

شركات الطيران أمام اختبار المسؤولية

تريد صنعاء من خلال تحذيرها لشركات الطيران نقل المسؤولية من الحكومات إلى المؤسسات المشغلة، فالشركة التي تواصل رحلاتها بعد تحذير معلن مطالبة، وفق هذا الموقف، بالإجابة عن أسئلة أساسية: هل قيّمت المخاطر؟ هل نسقت مع جهة إنسانية؟ وهل أبلغت الركاب بطبيعة الوضع؟ وقد يكون التنسيق مع مركز العمليات الإنسانية، بصنعاء كما تم الإعلان عنه رسميا، لحماية المسافرين  المدنيين من قرارات تشغيلية قد تتخذها الشركات تحت ضغط المصالح التجارية.

 

الرياض أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية

وفي هذا الصدد حملت صنعاء السعودية المسؤولية الكاملة عن تشغيل مطاراتها في ظل التحذيرات، معتبرة أن الرياض تغامر بأرواح المسافرين، كما غامرت بسلامة اليمنيين حين قصفت مطار صنعاء وأبقت عليه تحت الحصار، وهذا الاتهام يضع الرياض أمام مسؤولية مزدوجة: مسؤولية عن قرار الحرب، ومسؤولية عن إدارة المجال المدني في زمن الحرب، فالمطار الذي يستقبل المسافرين لا يمكن أن يُعامل باعتباره منشأة عادية إذا كان جزءًا من بنية عسكرية أو سياسية لطرف يخوض مواجهة مفتوحة، كما أن استخدام العنوان الإنساني لا يلغي حق الجمهور في معرفة مستوى الخطر، ولا يعفي السلطات وشركات الطيران من واجب الشفافية، حماية المسافر لا تكون بإخفاء الخطر، بل بإبعاده عن مصدره وتعليق الرحلات عند الضرورة.

 

ختاما

تكشف معادلة المطار بالمطار أن الحرب لا تُقاس بعدد الغارات وحده، بل بما تفعله بالإنسان في طريقه إلى العلاج، وبالطالب في رحلة سفره، وبالعائلة التي تنتظر عودة أحد أفرادها، فموقف صنعاء، كما يظهر يقدم التحذير بوصفه فعلًا لحماية المسافرين، في مقابل اتهام الرياض بتحويل العنوان الإنساني إلى غطاء لاستمرار الحصار والتصعيد.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تكون حماية المدنيين بفتح المطارات أمام الخطر، أم بوقف استهدافها وإخراجها من معادلة الحرب؟ وهل يملك النظام السعودي الشجاعة ليعامل مطار صنعاء كما يطالب الآخرين بمعاملة مطاراته، أم أن الإنسانية عنده شعار يُرفع حين يخدم السياسة ويسقط حين يتعلق الأمر باليمنيين؟

والسؤال الأهم أمام شركات الطيران والمجتمع الدولي: من سيحمي المسافرين إذا استمرت الرحلات في أجواء محظورة، ومن سيتحمل المسؤولية عندما يتحول الاستهتار السعودي بالتحذيرات إلى كارثة لا تنفع معها البيانات ولا التبريرات؟ أما وقد صدرت تلك التحذيرات فإن ذلك يضع السلطات السعودية أمام مسؤولية وأخلاقية وإنسانية جسيمة في حماية المسافرين وعدم تعريض أراوح الأبرياء للخطر.

 

 

يمانيون