تجويع الأسرى بتعز.. جريمة سعودية تتجاوز التعذيب وتفتح أبواب التصعيد


تكشف جريمة التجويع الممنهجة الممارسة بحق مئات الأسرى والمحتجزين داخل السجن المركزي بمدينة تعز الخاضعة لسيطرة فصائل التحالف عن تحول جنائي صريح يوظف فيه الغذاء كسلاح حرب للتصفية الجسدية الصامتة. لم يعد الأمر مجرد إهمال إداري أو تداعيات لشح الموارد، بل قرار عسكري محسوب أصدرته القيادات العسكرية الموالية للنظام السعودي لفرض الموت البطيء على المقاتلين الأسرى خلف القضبان، بعد أن فشلت الترسانة العسكرية لتحالف العدوان في كسر إرادتهم الميدانية داخل جبهات القتال.

 

يرتبط هذا السلوك الإجرامي ارتباطاً وثيقاً بالعقيدة العسكرية لتحالف العدوان الأمريكي السعودي، التي عمدت على مدى سنوات الحرب إلى إسقاط الحماية المقررة للأعيان المدنية والأشخاص المحميين بموجب القانون الدولي الإنساني. إن وضع ملف الأسرى تحت مقصلة الابتزاز المعيشي والحرمان البيولوجي يعكس نهجاً منظماً تديره غرف العمليات المشتركة في الرياض، وتنفذه التشكيلات المرتزقة على الأرض تحت مظلة تواطؤ سياسي غربي وصمت مريب للمنظومة الأممية، في انتهاك صارخ يلزم صنعاء بتفعيل كافة أدوات الردع والملاحقة الجنائية لوقف هذه الإبادة المنظمة.

 

جريمة التجويع: تصفية بيولوجية ممنهجة

تفيد البيانات الميدانية والشكاوى الموثقة لدى الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان بأن إدارة السجن المركزي بتعز، الخاضعة لقيادة محور تعز واللواء 22 ميكا، أوقفت بصورة كاملة إدخال الحصص الغذائية المقررة ومياه الشرب النظيفة عن عنابر الأسرى لعدة أيام متواصلة. هذا المنع القسري المترافق مع عزل الزنازين ومنع زيارات الأهالي ولجان الوساطة المحلية يهدف إلى إحداث هبوط حاد في الوظائف الحيوية للمحتجزين ودفعهم نحو الوفاة السريرية التدريجية، ما يمثل تطبيقاً عملياً لسياسة الإهلاك الجسدي الجماعي بحق أسرى الحرب.

 

يصنف التوصيف القانوني الدولي هذه الواقعة كجريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية مكتملة الأركان وفقاً للمادة (54) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، التي تحظر تجويع المدنيين والأشخاص العاجزين عن القتال واستخدام الغذاء كأداة حربية. كما تنتهك هذه الإجراءات القواعد (53 و54) من القانون الدولي الإنساني العرفي، واتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984، إلى جانب خرقها للقاعدتين (18 و22) من قواعد نيلسون مانديلا الدنيا لمعاملة السجناء، والتي تلزم السلطات الحاجزة بتوفير الوجبات الصحية والمياه المعقمة دون تمييز أو انقطاع.

 

إن المسؤولية الجنائية والقيادية (Command Responsibility) عن هذه الجريمة لا تتوقف عند إدارة السجن المحلي، بل تمتد هرمياً إلى قيادة وزارة الدفاع التابعة للمرتزقة في عدن، وتصل مباشرة إلى القيادة المشتركة لتحالف العدوان في الرياض التي تمول وتدير هذه الفصائل. إن الإشراف المالي واللوجستي السعودي على هذه التشكيلات يثبت أن قرار استخدام التجويع كأداة تعذيب وتصفية هو قرار مدعوم من دول التحالف للتهرب من استحقاقات ملف تبادل الأسرى وتعطيل التفاهمات الإنسانية المعقودة برعاية دولية.

 

  • بيانات الانتهاك بتعز: حرمان أكثر من 300 أسير ومحتجز من إمدادات الغذاء والمياه النقية، مع تسجيل حالات إغماء وجفاف متقدم داخل الزنازين.
  • الأسانيد القانونية المخترقة: المادة (54) بروتوكول جنيف الأول، القاعدتان (53 و54) من القانون العرفي الدولي، وقواعد نيلسون مانديلا (18 و22).
  • التسلسل القيادي المسؤول: إدارة السجن المركزي بتعز، قيادة محور تعز العسكري، والقيادة المشتركة لتحالف العدوان بالرياض.

الإعدامات الميدانية: سجل التوحش الموثق

لا تشكل جريمة التجويع الجارية في تعز حدثاً معزولاً، بل تأتي امتداداً لسجل جنائي متواصل لجرائم التصفية المباشرة التي ارتكبتها فصائل التحالف بحق أسرى قوات صنعاء. ففي مطلع شهر أكتوبر الجاري 2026، ارتكبت أدوات العدوان جريمة وحشية تمثلت في دهس أسرى مكبلي الأيدي عمداً بالعربات والمدرعات العسكرية حتى الموت؛ وهي واقعة وثقتها المشاهد الحية وأدلة الطب الشرعي الميداني، مؤكدة تجذر عقيدة الإبادة المادية المباشرة لدى التشكيلات المسلحة الممولة سعودياً وإماراتياً وافتقارها لأدنى معايير السلوك العسكري المنضبط.

 

تتطابق هذه الواقعة مع مجزرة الساحل الغربي المروعة في 13 نوفمبر 2021، حين أقدمت فصائل ما يسمى “ألوية العمالقة” و”حراس الجمهورية” على إعدام عشرة من أسرى الجيش رمياً بالرصاص الحي والتمثيل بأجسادهم في مديرية التحيتا، في انتهاك موثق قُدمت ملفاته للأمم المتحدة. كما يستند هذا السلوك إلى حوادث سابقة ارتكبتها خلايا تنظيمي “القاعدة” و”داعش” المندمجة ضمن قوات التحالف في تعز ومأرب بين عامي 2015 و2020، شملت ذبح الأسرى بالسكاكين، وسحل الجثامين في شوارع تعز، ورمي الجرحى من أسطح المباني المرتفعة، فضلاً عن استشهاد أكثر من 300 أسير تحت التعذيب المباشر والصعق الكهربائي داخل معتقلات تداوين بمأرب، وبئر أحمد بعدن، والريان بحضرموت.

 

  • جريمة الدهس (أكتوبر 2026): دهس أسرى مقيدين بالمدرعات العسكرية عمداً في انتهاك مباشر للمادة (13) من اتفاقية جنيف الثالثة.
  • مجزرة الساحل الغربي (نوفمبر 2021): إعدام 10 أسرى بالرصاص والتمثيل بجثامينهم بالتحيتا تحت إشراف قيادات المرتزقة.
  • التصفيات الميدانية والتعذيب: توثيق وقائع الذبح والسحل في تعز ومأرب، واستشهاد أكثر من 300 أسير تحت التعذيب الممنهج داخل سجون التحالف السرية.

استهداف المعتقلات: أسلحة واشنطن الفتاكة

تتكامل التصفيات الميدانية وسياسات التجويع مع العمليات الجوية المباشرة التي نفذها طيران التحالف الأمريكي السعودي لتدمير منشآت احتجاز الأسرى والتخلص منهم جسدياً. وتتصدر هذه الوقائع مجزرة كلية المجتمع بمحافظة ذمار في الأول من سبتمبر 2019، عندما قصفت مقاتلات التحالف مقراً معلناً لاحتجاز الأسرى زارته اللجنة الدولية للصليب الأحمر مسبقاً، بسبع غارات دقيقة استخدمت فيها قنابل موجهة أمريكية الصنع، ما أدى إلى استشهاد 134 أسيراً وإصابة أكثر من 40 آخرين في تصفية جماعية صريحة لأسرى كانوا في طريقهم للتبادل.

 

وتكررت هذه الجريمة في 21 يناير 2022 عبر استهداف السجن الاحتياطي بمحافظة صعدة بقنابل ذكية موجهة بالليزر من إنتاج شركة “ريثيون” الأمريكية، ما أسفر عن استشهاد 91 نزيلاً وجرح 236 آخرين، إلى جانب قصف السجن المركزي بالبيضاء في 12 أكتوبر 2015، وسجن مديرية الزيدية بالحديدة في أكتوبر 2016 الذي استشهد فيه 60 سجيناً. يثبت هذا النمط العسكري أن بنك الأهداف اعتمد إحداثيات استخباراتية دقيقة قدمتها غرف العمليات المدعومة أمريكياً وبريطانياً، لاستهداف تجمعات المحتجزين والأسرى بصورة مباشرة ومحو أي أثر للاتفاقات الإنسانية.

 

إن تطابق الأرقام التسلسلية والشظايا وبقايا الصواعق في هذه المواقع مع تصاميم قنابل JDAM وGBU الأمريكية يثبت المسؤولية الجنائية المشتركة للإدارة الأمريكية عن هذه المجازر. لم تكن واشنطن مجرد مراقب، بل وفرت الذخائر الدقيقة، ونفذت عمليات التزود بالوقود جواً لمقاتلات التحالف، وأمنت الغطاء الدبلوماسي الذي منع لجان التحقيق الدولية المستقلة من ملاحقة القيادات السعودية؛ ما يجعل النظام الأمريكي شريكاً جنائياً أصيلاً في كل روح أزهقت داخل تلك المعتقلات أو تحت ركام الغارات.

 

معادلة الردع: إفلاس أدوات التحالف

تضع هذه الانتهاكات المتصاعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمفوضية السامية لحقوق الإنسان في موضع المساءلة الأخلاقية والقانونية؛ فالبيانات الصادرة عن هذه البعثات ظلت حبيسة الصيغ الدبلوماسية المجردة دون اتخاذ خطوات إلزامية على الأرض. إن امتناع الصليب الأحمر عن فرض دخول فرقه الميدانية إلى السجن المركزي بتعز خلال الساعات الحرجة لتقديم الغذاء والرعاية الطبية العاجلة يفرغ الاتفاقيات الدولية من فاعليتها، ويؤكد رضوخ المنظمات الدولية للضغوط والتمويل المالي القادم من دول التحالف المعتدية.

 

يكشف هذا التراخي عوار المنظومة الأممية التي تغض الطرف عن جرائم تجويع وإعدام الأسرى في اليمن، بينما تستنفر أدواتها القانونية والإعلامية للدفاع عن مصالح القوى الغربية. إن ازدواجية المعايير الدولية وفرت لقوى العدوان ومرتزقتها حصانة غير معلنة للاستمرار في انتهاك اتفاقيات جنيف، وأسقطت نهائياً الرهان على الهيئات الأممية لحماية الأرواح، مؤكدة للشعب اليمني أن التمسك بالقوة الذاتية والمواجهة الميدانية هو المسار الوحيد لانتزاع الحقوق وحماية الكرامة الوطنية.

 

وفي هذا اليوم، 12 أكتوبر 2026، تتجلى المفارقة الاستراتيجية الصارخة بين إفلاس التحالف الميداني وقوة الموقف اليمني؛ فالجيش الذي تحاول فصائل الرياض كسر عزيمته بتجويع أسراه في زنازين تعز أو دهسهم بالمدرعات، يفرض اليوم حصاراً بحرياً نارياً مطبقاً على موانئ الكيان الصهيوني عبر البحرين الأحمر والعربي وخليج عدن والمحيط الهندي. إن صواريخ صنعاء الفرط صوتية ومسيراتها التي حيدت حاملات الطائرات الأمريكية وأجبرت بوارج واشنطن على التراجع، رسخت واقعاً عسكرياً جعل من اليمن رقماً إقليمياً قادراً على حماية سيادته وفرض شروطه.

 

إن لجوء مرتزقة الرياض إلى سلاح التجويع يعبر عن عجز عملياتي كامل وفقدان للأوراق السياسية بعد انهيار مشاريع التطويق والحصار. وتدرك قيادة التحالف في الرياض أن أسرى القوات المسلحة ليسوا ورقة مهملة، وأن استمرار ارتكاب الفظائع بحقهم لن يمر دون ثمن باهظ؛ فالمنشآت الحيوية والاقتصادية للعدو باتت تقع في دائرة الاستهداف المباشر، وأي تصفية جسدية جديدة ستقابل بإجراءات ردع استراتيجية حاسمة تكسر عنجهية المعتدين في عمق أراضيهم.

 

ميزان العدالة: القصاص الحتمي قادم

إن الجرائم المرتكبة بحق الأسرى داخل السجن المركزي بتعز وفي مختلف الجبهات هي وقائع موثقة بالأدلة الجنائية والتقارير الطبية وإفادات الشهود، ولن تسقط بالتقادم أو تطمسها الصفقات والتسويات السياسية. تواصل الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان والجهات القضائية في صنعاء استكمال ملفات الملاحقة الجنائية لرفعها أمام المحاكم الجنائية الدولية والمحاكم الوطنية ذات الولاية القضائية العالمية، لملاحقة قيادات المرتزقة وضباط التحالف كمجرمي حرب فارين من العدالة.

 

تؤكد صنعاء أن حماية الأسرى وتحريرهم عهد مبدئي لا تراجع عنه، وأن الجرائم التي يرتكبها النظام السعودي وأدواته لن تزيد الشعب وقواته المسلحة إلا إصراراً على مواصلة معركة التحرر والاستقلال. إن يد العدالة ستطال كل من تورط في إصدار أوامر التجويع والدهس والإعدام، وسيبقى القصاص العادل هو الخاتمة الحتمية التي تفرضها تضحيات الأسرى وصمود الشعب في وجه قوى الطغيان والاستكبار.

 

موقع 21 سبتمير