الأرق الرقمي.. عندما يتحول النوم من حاجة فطرية إلى سلعة بمليارات الدولارات


لم يعد الحرمان من النوم مجرد مشكلة مرتبطة بعادات السهر، إذ باتت التكنولوجيا الحديثة ونمط الحياة المتصل على مدار الساعة من أبرز العوامل التي تعيد تشكيل علاقة الإنسان بالليل والراحة، في وقت تحولت فيه محاولات استعادة النوم إلى سوق عالمية تقدر بمئات المليارات من الدولارات.
وتشير تحليلات تناولت ظاهرة الأرق الرقمي إلى أن الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي أصبحت حاضرة داخل غرف النوم، حيث يقضي كثير من المستخدمين ساعات في متابعة مقاطع الفيديو والأخبار والمنشورات، رغم إدراكهم لحاجتهم إلى النوم.
وتكمن المشكلة، وفق الطرح الذي قدمه التحقيق، في أن الاستخدام الليلي للهواتف لا يقتصر تأثيره على الضوء المنبعث من الشاشات، وإنما يرتبط أيضاً بالتفاعل المستمر مع محتوى متجدد يحافظ على انتباه الدماغ ويؤخر الانتقال إلى حالة الاسترخاء.
«خمس دقائق» قد تتحول إلى ساعات
وتعد خاصية التمرير المستمر واحدة من أبرز العوامل التي تجعل إغلاق الهاتف أكثر صعوبة، إذ لا توجد نهاية واضحة للمحتوى، فينتقل المستخدم من مقطع إلى آخر ومن منشور إلى آخر، وقد تمر ساعات قبل أن يدرك أنه لم ينم.
ويرتبط ذلك بما يعرف بـ«تأجيل النوم الانتقامي»، وهي ظاهرة يؤخر فيها الشخص نومه عمداً للحصول على وقت شخصي في نهاية يوم مزدحم بالعمل والالتزامات، حتى وإن كان يشعر بالإرهاق.
ومع تكرار هذا السلوك، يتحول السهر من قرار عابر إلى نمط يومي قد يؤدي إلى تراكم نقص النوم وانعكاساته على التركيز والمزاج والأداء خلال النهار.

عندما يدخل التوتر إلى غرفة النوم
ولا يأتي الاستثارة الليلية من وسائل التواصل وحدها، إذ يمكن لمتابعة الأخبار الصادمة أو النقاشات الحادة والمحتوى المثير للقلق قبل النوم أن تزيد حالة التوتر واليقظة.
ويعني ذلك أن الشخص قد يضع هاتفه جانباً وهو متعب جسدياً، لكن عقله لا يزال منشغلاً بالمعلومات والمشاهد التي تعرض لها قبل دقائق، الأمر الذي قد يجعل الدخول في النوم أكثر صعوبة أو يؤدي إلى نوم غير مستقر.
وتزداد المشكلة في المجتمعات التي ترتبط فيها ساعات الليل بالعمل أو الدراسة أو المتابعة المستمرة للأحداث، بحيث يفقد الليل وظيفته التقليدية كفترة للراحة والانفصال عن ضغوط الحياة اليومية.

تفاوت كبير في ساعات النوم
وتظهر الفروقات بين الدول في متوسط ساعات النوم، إذ تشير البيانات الواردة في التحقيق إلى تسجيل هولندا وفنلندا معدلات تتراوح بين 7.5 و8 ساعات يومياً، مقابل معدلات أقل في اليابان وكوريا الجنوبية تراوح بين 6.2 و6.4 ساعة.
ويربط التحقيق انخفاض ساعات النوم في بعض الدول بثقافة العمل الطويلة والمنافسة المهنية والتعليمية، إلى جانب الاستخدام المكثف للتكنولوجيا.
وفي المقابل، ترتبط اضطرابات النوم في مناطق أخرى بعوامل إضافية، من بينها الضغوط النفسية والاجتماعية والأمنية، ما يجعل الأرق في بعض البيئات يتجاوز تأثير الهاتف والشاشات إلى حالة مستمرة من القلق والترقب.

فاتورة اقتصادية بمليارات الدولارات
ولا تتوقف نتائج الحرمان من النوم عند التعب والنعاس، إذ تمتد إلى أماكن العمل والاقتصاد.
فانخفاض التركيز والقدرة على اتخاذ القرار، وزيادة الأخطاء والحوادث، والتغيب عن العمل، كلها عوامل تفرض تكلفة اقتصادية على المؤسسات والدول.
ووفق تقديرات اقتصادية أوردها التحقيق، تصل الخسائر المرتبطة باضطرابات النوم في الولايات المتحدة إلى نحو 411 مليار دولار سنوياً، فيما تقدر خسائر اليابان بنحو 138 مليار دولار، وألمانيا بنحو 60 مليار دولار.
وتكشف هذه الأرقام عن تحول النوم من مسألة صحية شخصية إلى عامل اقتصادي له تأثير مباشر في الإنتاجية وسوق العمل.

صناعة كاملة لاستعادة النوم
وفي الوقت الذي يتزايد فيه الحرمان من النوم، تتوسع صناعة تستفيد من هذه الأزمة تحت مسمى «اقتصاد النوم».
وتشمل هذه الصناعة أجهزة تتبع النوم، والساعات والخواتم الذكية، وتطبيقات التأمل والاسترخاء، والمراتب والأسرة الذكية، إضافة إلى خدمات متخصصة تقدمها الفنادق والمنتجعات الفاخرة.
وبعض هذه المنتجعات يقدم غرفاً مجهزة بعزل صوتي، وأنظمة إضاءة تحاكي شروق الشمس وغروبها، وأسرة قادرة على ضبط الحرارة، وبرامج للحد من استخدام الأجهزة الإلكترونية، بل وقد تصل تكلفة بعض برامج «سياحة النوم» إلى آلاف الدولارات لليلة الواحدة.
وهنا تظهر المفارقة: شيء كان الإنسان يحصل عليه بصورة طبيعية ومجانية، وهو الهدوء والنوم، أصبح في العصر الحديث خدمة يمكن شراؤها بأسعار مرتفعة.

التكنولوجيا تراقب النوم أيضاً
وازدهرت كذلك الأجهزة القابلة للارتداء التي تجمع بيانات عن النوم والحركة ومعدل ضربات القلب وغيرها من المؤشرات، بهدف مساعدة المستخدم على فهم عاداته الليلية.
لكن الاعتماد المفرط على هذه البيانات قد يؤدي لدى بعض الأشخاص إلى نتيجة عكسية، عندما يتحول النوم إلى أرقام ومؤشرات يسعى المستخدم إلى تحسينها بصورة مستمرة، ما قد يضيف مستوى جديداً من القلق إلى مشكلة النوم.

مفارقة اقتصاد الانتباه
وتبقى المفارقة الأبرز أن الشركات التي تتنافس على جذب انتباه المستخدم وإبقائه أمام الشاشة لأطول وقت ممكن، أصبحت في الوقت ذاته جزءاً من السوق التي تقدم أدوات لمراقبة النوم وتحسينه.
فالهاتف الذي قد يساهم في تأخير النوم يمكن أن يحتوي على تطبيق لمتابعته، والساعة الذكية التي تقيس مراحل النوم أصبحت جزءاً من منظومة تقنية أوسع تعتمد على جمع وتحليل بيانات المستخدم.
وهكذا أصبح النوم يقع في قلب صراع اقتصادي بين اقتصاد يعتمد على استنزاف الانتباه، واقتصاد آخر يبيع المنتجات والخدمات التي تعد باستعادة الراحة.

الحل لا يبدأ دائماً من شراء منتج جديد
ويرى الطرح الذي يتناوله التحقيق أن مواجهة الأرق الرقمي تبدأ قبل الوصول إلى المنتجات التجارية، من خلال إعادة تنظيم علاقة الإنسان بالأجهزة.
ومن أبرز الإجراءات تقليل استخدام الهاتف قبل النوم، وإيقاف التنبيهات غير الضرورية، وتجنب العمل أو متابعة الأخبار المقلقة في السرير، وإبعاد الهاتف عن مكان النوم، والحفاظ على مواعيد منتظمة للنوم والاستيقاظ.
وفي النهاية، قد لا يكون الإنسان بحاجة إلى شراء المزيد من التكنولوجيا كي يستعيد نومه، بقدر حاجته إلى وضع حدود لاستخدام التكنولوجيا نفسها.
ففي عالم أصبحت فيه الشاشات تنافس النوم على ساعات الليل، بات الحفاظ على النوم الجيد شكلاً من أشكال استعادة السيطرة على الوقت والانتباه والصحة.