معيار التقييم الإلهي لأداء حكومة الشهداء
بقلم .إبراهيم الهمداني
طالما كانت المناصب والحقائب الوزارية مطمعًا تتسابق إليه الأحزاب والشخصيات، لتحظى بالمغنم الأوفر والنصيب الأكبر من الفوائد والمصالح والمكانة على كافة المستويات، ولذلك كانت التعيينات تُمنح كمكافآت للأتباع المخلصين، وكترضية لتكريس الولاء واستقطاب المحايدين، وإسكات الخصوم المعارضين، ليتحول التشكيل الوزاري إلى جوقة موسيقية، على مسرح الفعل السياسي، هي أقرب ما تكون إلى الحاكم، وأبعد ما تكون عن الشعب وهمومه وتطلعاته.
ولم يقتصر هذا الوضع على المشهد اليمني، بل كانت استراتيجية عامة، تحكم المسار السياسي العربي والإسلامي دون استثناء، ويمكن القول إن هذه الاستراتيجية تمثل رؤية المحتل المستعمر المتعالي، ولا يمكن أن تمثل الحاكم ابن البلد، غير أن الحكومات العربية كانت صنيعة المستعمر الغربي، لذلك قامت بتمثيله وخدمة مصالحه ومشاريعه، وقتل شعوبها لنيل رضاه، وهو ما جعل الشعوب تسعى لإسقاط تلك الأنظمة.
ورغم المؤامرات التي انحرفت بمسار ثورات الربيع العربي، إلا أن الشعب اليمني استطاع تصحيح مسار ثورته، في 21 سبتمبر 2014م، ليصبح بذلك الامتياز الوحيد في عملية التغيير، والتعبير عن الإرادة الشعبية الحرة، وكانت حكومة صنعاء – وبالذات حكومة التغيير والبناء – هي ضمير الشعب وترجمة إرادته، حيث مفاهيم المسؤولية تستند إلى مرجعية دينية، وعملية تقييم الأداء تخضع لمعايير إلهية بحتة.
إن المسؤولية القائمة على المبادئ الإيمانية، والتكليف المستند إلى قيم الحق والعدل، يجعل من المناصب والحقائب الوزارية ميدانًا لخدمة الناس والصدق مع الله، بحيث لا تُقاس شرعية الحكومات وحيويتها بالاعتراف الدولي أو المنجزات المادية الفانية، وإنما بمدى استعدادها للتضحية من أجل المبادئ، والالتحام الكامل بآلام المستضعفين وآمالهم، وهو ما نستحضره ونحن نقف اليوم، في ذكرى الاستهداف الغادر، لحكومة التغيير والبناء برئاسة الشهيد أحمد غالب الرهوي، التي صاغت بأحرف من نور أسمى صور العطاء والتضحية، بعدما تحول تقييمها السنوي الأدائي إلى معراج حقيقي نحو التقييم الإلهي الأسمى.
إن المقاربة المعرفية لدلالات الوعي السياسي المتقدم، من منظور العطاء والتضحية والشهادة، تجعلنا ننظر إلى حدث العام الماضي (أغسطس 2025)، كـ”وثيقة اصطفاء إلهي”؛ فحينما حلقت طائرات العدوان الأمريكي الإسرائيلي، لتستهدف اجتماعًا رسميًا للحكومة – خُصص تحديدًا لورشة عمل اعتيادية، لتقييم نشاطها وأدائها الخدمي والسياسي، بعد عام من التكليف – فإنها لم تضرب مجرد هيكل إداري، وإنما استهدفت منهجية “المسؤولية القرآنية الحية”، كما أن ارتقاء نصف أعضاء الحكومة شهداء، مع رئيسهم المجاهد أحمد غالب الرهوي، وهم يحملون تقارير إنجازاتهم وجهادهم، يمثل الذروة الإيمانية لحقيقة المسؤولية، وقيمة الإنجاز المختوم بالشهادة على الناس، ولصورة النموذج الأرقى للحاكم الخادم والمستشهد في ميدان واجبه.
وتتجلى قيمة وعظمة هذا التقييم الإلهي، لأداء حكومة الرهوي ورفاقه، من خلال أبعاد استثنائية صاغتها دماؤهم الكريمة وعطاؤهم اللامتناهي، فقد مثلوا:
1- شهادة الصدق والوفاء بالعهد؛ حيث أثبت الرئيس الرهوي ورفاقه الوزراء بدمائهم الزكية، أنهم لم يكونوا رجال مناصب أو باحثين عن امتيازات، بل حملوا أمانة المسؤولية في أصعب الظروف؛ تحت الحصار والعدوان.
2- التكامل بين النظرية السياسية والتطبيق؛ فقد حدث الاستهداف الغادر وهم يمارسون “التقييم الذاتي”، كأداة لبناء الدولة والحد من التقصير، ليمتزج حبر التقييم البشري بدماء التزكية الإلهية، مجسدين المفهوم القرآني للرقابة الصارمة.
3- عالمية الموقف والامتداد؛ إذ كان الاستهداف ثمنًا للموقف المبدئي الثابت لحكومة صنعاء، في نصرة الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، ضد الغطرسة الصهيونية والأمريكية.
إن هذا الاستشهاد الجماعي، في سياقه الرسمي الحكومي، قد غيّر مفهوم المسؤولية وطبيعة الإدارة الحكومية، في الوعي الجمعي اليمني، فأصبح المقياس الحقيقي هو حجم البذل والعطاء والصدق، الذي يجعل من دماء القيادة وقودًا لصمود الأمة وثباتها، ومواصلة مسار التغيير الجذري.
إن هذا المعيار الرباني العظيم، الذي يربط بين العمل الدنيوي، والمسؤولية القيادية، والشهادة الخالدة، قد تجسدت عظمته وتمثلت خلاصته، في دماء الرئيس الشهيد الرهوي ورفاقه الوزراء الشهداء الكرام، التي رسمت مسار العطاء واستحقت وثيقة الخلود، مؤكدة أن الحكومات تظل حية بمبادئها، وخالدة بشهادتها على عظمة المشروع القرآني، وعظيمة بعظم الجزاء والثواب الإلهي، بالخلود الأبدي والبشارات اللامتناهية، خاصة وأن من مضى يستبشر بمن بقي منهم، وهم جميعًا “من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا”.