تناقضات الفكر والعقيدة.. بين موسم الرياض وذكرى المولد النبوي الشريف


بقلم: د. شعفل علي عمير

شتان بين من يحتفي بالقيم الإنسانية النبيلة، ومن يغرق في وحل الانحطاط ومسخ الهوية؛ فالقيمة الحقيقية لأيّة فعالية هي ما تضيفه إلى الإنسان من وعي وأخلاق ومعرفة وانتماء ومسؤولية.

على مقربة من إقامة موسمين يبدوان في ظاهرهما، مختلفين في الغاية والمضمون؛ موسم الرياض وذكرى المولد النبوي، ويبرز سؤال يتجاوز حدود المناسبة إلى عمق الهوية والقيم والوعي: أيهما أحق أن يتبع؟ وأيّ موسم يعبر عن الإنسان وقيمه وهويته وانتمائه؟

إن المقارنة بين المناسبتين ليست مجرد مقارنة بين فعاليات وبرامج واحتفالات، وإنما هي في جوهرها قراءة في التناقضات الفكرية والقيمية التي قد تواجه المجتمعات عندما تتعدّد أمامها النماذج والخيارات التي تسعى إلى التأثير في وعيها وسلوكها.فذكرى المولد النبوي الشريف، كموسمٍ يأتي في كل عام، يمثل في الوعي الإسلامي، مناسبة لاستحضار سيرة الرسول محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- والتأمل في رسالته وأخلاقه ومواقفه، وتجديد الصلة به، واستعادة القيم التي جاء بها؛ قيم الرحمة والعدل والكرامة والمسؤولية والتكافل والثبات في مواجهة الظلم والانحراف.

ومن هُنـا؛ فإن ذكرى المولد النبوي هو الأصل والفيصل بالنسبة لمن يرى في الرسول -صلى الله عليه وآله- قدوةً ومنهجًا، وفي سيرته مدرسةً متكاملة لبناء الإنسان والمجتمع؛ فهو محطة لتجديد الولاء للرسول الأعظم، وتعزيز الارتباط بهوية الأمة، واستحضار مسؤولية الاقتداء بأخلاقه ومبادئه.

أمّا حين تتحول بعض المواسم إلى مساحة يغلب عليها الاستهلاك والترفيه والتغريب المتعمد؛ فإن السؤال يصبح مشروعًا: هل ينبغي أن يكون معيارنا هو حجم الإنفاق، وكثرة الفعاليات، وضجيج المشهد الإعلامي المنحط الذي لا يتصل بقيمنا العربية والإسلامية بأيّ صلة، أمّ ما تتركه المناسبة من أثر في الإنسان ووعيه وقيمه؟

وهُنا تتجلى أهمية الوعي؛ فالهوية لا تُحفظ بالشعارات وحدها، وإنما بما نختاره من قيم ونماذج ومناسبات ومضامين، وعندما تكون أمام الإنسان خيارات متعدّدة؛ فإن الاختيار الحقيقي ينبغي أن ينطلق من سؤال جوهري: أيّ طريق يبني الإنسان البناء الحقيقي؟ وأيّ طريق يعزز هويته وكرامته ومسؤوليته؟

ومن هذا المنطلق، يصبح موسم ذكرى المولد النبوي بالنسبة لأتباع هذا النهج محطة إيمانية وفكرية وتربوية، يستشعر فيها حضور الرسول في الوجدان، وتُستحضر سيرته بوصفها منهجًا للحياة، وتُجدّد فيها قيم الوعي والثبات والمسؤولية والجهاد بمعناه المرتبط بالدفاع عن الحق ومواجهة الظلم وبذل الجهد في سبيل نصرة الحق.

وبالتالي؛ فإنّ القضية، ليست في وجود موسم هُنا أو فعالية هناك، وإنما في النموذج الذي نريد أن نربي عليه أجيالنا؛ أهو نموذج يجعل الإنسان أسير الاستهلاك الفكري والقيمي، أم نموذج يربطه بالمعرفة والقيم والرسالة والقدوة؟

وفي النهاية، تبقى المفاضلة الحقيقية بين موسم يمسخ الهوية ويشوه الوعي، وموسم يسعى إلى صناعة وعي وهوية وقيم، وبينهما، يكون الاختيار للأرقى والأعمق والأكثر اتصالًا بالإنسان ورسالة الحياة.