القسط بوصفه مشروعاً للحياة قراءة تحليلية في مضامين رؤية الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي


تقدم مضامين الدرس العشرين من دروس رمضان للشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي، رضوان الله عليه، رؤية تتجاوز التعامل مع الإسلام بوصفه منظومة من العبادات أو الأحكام الفردية، إلى النظر إليه باعتباره منهجاً متكاملاً لبناء الإنسان وتنظيم الحياة وإقامة المجتمع على أساس القسط والعدل والهدى، وتتمحور الرؤية حول مفهوم قرآني بالغ الدلالة: {قَائِماً بِالْقِسْطِ}، ثم تنتقل من وصف فعل الله سبحانه وتعالى إلى تحديد مسؤولية المؤمنين: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ}. وبهذا الانتقال تتشكل معادلة فكرية واضحة، إذا كان القسط من صفات التدبير الإلهي، فإن الإيمان الحقيقي لا يكتمل بمجرد الاعتقاد، وإنما يتحول إلى مسؤولية عملية لإظهار هذا القسط في واقع الحياة، ومن هنا تكتسب الرؤية أهميتها؛ لأنها تربط بين العقيدة والسلوك، وبين الإيمان والمسؤولية، وبين صلاح الفرد وبناء الأمة، وبين إقامة العدل وحماية صورة الدين في وعي الآخرين.

أعده للنشر | طارق الحمامي

 

 

الإسلام في الرؤية دينٌ للحياة لا مجرد ممارسة دينية

أبرز ما يمكن استخلاصه من مضمون الدرس هو إعادة تعريف العلاقة بين الدين والحياة،
فالإسلام، وفق هذه الرؤية، ليس شأناً روحياً معزولاً عن حركة المجتمع، ولا مجموعة من الطقوس التي تنتهي بانتهاء العبادة، بل هو منهج هداية يمتد إلى مختلف مجالات الحياة، ولهذا يأتي الاستدلال بقوله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ… قَائِماً بِالْقِسْطِ}، فالحديث عن القسط هنا لا يتوقف عند المعرفة أو الإخبار أو الفتوى، وإنما يرتبط بفعل مستمر، إقامة الحياة على أساس القسط، وهذه نقطة مركزية في الرؤية؛ إذ إن معيار حضور الدين في المجتمع لا يقاس فقط بعدد الممارسات التعبدية، وإنما كذلك بمدى انعكاس هداية الدين على العدل، والحقوق، والمسؤولية، والعلاقات الاجتماعية، وإدارة الشأن العام، وبذلك تصبح الحياة نفسها مجالاً لاختبار صدق الالتزام الديني.

 

مفهوم «القسط» أوسع من مجرد العدل

يلفت الدرس إلى أن القسط قد يكون أوسع دلالة من مفهوم العدل، رغم تفسيره في مواضع كثيرة بالعدل، ويمكن فهم ذلك من خلال العبارة التي يركز عليها الدرس: «إنزال كل شيء في مكانه».
فالقسط بهذا المعنى لا يعني فقط منع الظلم، بل يعني أيضاً إعطاء كل ذي حق حقه، وضع المسؤولية في موضعها الصحيح، واتخاذ القرار على أساس الحق لا المحاباة، وتحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات، وعدم تقديم القريب أو صاحب النفوذ على صاحب الحق، والتعامل مع القضايا العامة والخاصة بمعيار واحد، وتصحيح الاختلالات وعدم تركها تتحول إلى واقع دائم،
ومن هنا يصبح القسط مبدأً حاكماً للحياة، وليس مجرد قيمة أخلاقية منفصلة عن الواقع.

 

التحول من «الإيمان بالقسط» إلى «القيام بالقسط»

من أكثر الأبعاد عمقاً في الدرس الانتقال من المعرفة إلى المسؤولية، فالقرآن لا يكتفي بأن يكون المؤمن عارفاً بالعدل، وإنما يأمره: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ}، وكلمة «قوّامين» تحمل دلالة الاستمرار والممارسة والعمل، وبالتالي فإن الإيمان، وفق هذا التصور، ليس حالة ذهنية فقط، وإنما سلوك ومسؤولية وموقف، وهنا تبرز إحدى أهم القضايا التي يعالجها الدرس، لا يجوز للمؤمن أن يتعامل مع إقامة العدل باعتبارها مهمة طرف آخر، فالانتظار السلبي يؤدي إلى تعطيل المسؤولية التي حمّلها الله للمؤمنين.

 

رفض الاتكال على الآخرين في إقامة القسط

تطرح الرؤية سؤالاً حاسماً، من المسؤول عن إقامة القسط في الأرض؟

وتأتي الإجابة مباشرة، المؤمنون أنفسهم، فلا ينبغي أن يكون تصور المسلم لإقامة العدل قائماً على انتظار قوى خارجية أو دول أو أنظمة أو أطراف أخرى كي تحقق له القسط، وهذا البعد يحمل دلالة كبيرة في بناء الوعي؛ لأنه يحول الإنسان من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل،
فالإنسان المؤمن، وفق هذه الرؤية، لا ينتظر أن يصلح الآخرون واقعه، بل يبدأ من موقع مسؤوليته، ويعمل ضمن قدرته وإمكاناته، ثم ينتقل العمل من الفرد إلى الجماعة وصولاً إلى بناء أمة قادرة على إقامة القسط بصورة أوسع.

 

القسط ليس شعاراً وإنما تطبيق للتشريع والهداية

تربط الرؤية بين إقامة القسط وبين تطبيق توجيهات الله وتشريعاته وهديه، وهنا يظهر مفهوم مهم، أن الدين لا ينبغي أن يبقى في مستوى الخطاب النظري، فإذا كان الله سبحانه وتعالى قائماً بالقسط، وإذا كان المؤمنون مأمورين بأن يكونوا قوّامين بالقسط، فإن المطلوب هو أن يتحول التشريع والهداية إلى واقع ملموس في حياة الناس.

وهذا يعني أن قيمة الدين تظهر في آثاره العملية، هداية و التزام و سلوك و عدالة و مجتمع قائم على القسط، وعندما ينفصل الخطاب الديني عن الواقع العملي، تنشأ فجوة بين ما يقوله الدين وما يراه الناس في حياة أتباعه.

 

خطورة أن يقدم المسلمون صورة مشوهة عن الإسلام

من أخطر الأبعاد التي يناقشها الدرس مسألة الصورة التي يقدمها المسلمون عن دينهم من خلال واقعهم، فحين يبتعد الناس عن القسط والحق، فإن المشكلة لا تتوقف عند كونها مخالفة أخلاقية أو اجتماعية، وإنما يمكن أن تتحول إلى مشكلة تمس صورة الإسلام نفسه، فالآخر قد لا يقرأ القرآن، ولا يطلع على مصادر الفكر الإسلامي، ولكنه يرى سلوك المسلمين، وبالتالي يمكن أن يصبح الواقع العملي للمجتمع المسلم وسيلة تعريف بالدين أو وسيلة تشويه له،
وهذه الفكرة تجعل إقامة القسط مسؤولية تتجاوز حدود الفرد؛ لأنها ترتبط أيضاً بـ الشهادة على الدين أمام الآخرين.

 

العدالة تبدأ من الذات قبل الآخرين

يصل الخطاب إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية عندما يستشهد بقوله تعالى: {وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}، فالاختبار الحقيقي للعدل ليس عندما يكون الحق في مصلحة الإنسان، وإنما عندما يكون الحق ضده،
وهنا تتحول العدالة إلى امتحان حقيقي للضمير،
هل يقبل الإنسان أن يؤخذ الحق منه؟ وهل يستطيع أن يعترف بخطئه؟ وهل يطبق المعيار نفسه على نفسه وعلى الآخرين؟ وهل يستطيع أن يقبل الحق عندما يكون الطرف الآخر أقرب إلى الصواب؟ وبهذا المعنى، تبدأ إقامة القسط من الذات قبل أن تتحول إلى مطالبة الآخرين بالعدل.

 

سقوط المحاباة أمام معيار الحق

تتسع دائرة القسط في النص لتشمل الوالدين والأقربين، وهذه الإشارة تكشف أن القسط ليس انتقائياً، ولا يتغير بتغير درجة القرابة، فالمعيار القرآني لا يقول، أنصف عندما يكون الأمر متعلقاً بالغريب، ثم استثنِ القريب، بل يجعل الحق أعلى من الروابط الشخصية، وهنا تبرز مواجهة مباشرة مع إحدى أخطر الظواهر التي تهدد المجتمعات، المحاباة، فعندما تصبح القرابة أو الصداقة أو النفوذ أو المصالح الشخصية معياراً لتوزيع الحقوق والمسؤوليات، يتراجع القسط ويحل محله نظام غير عادل، ومن ثم فإن إقامة القسط تعني بناء ثقافة تجعل الحق فوق العلاقة الشخصية.

 

«الله أولى بهم» وإعادة ترتيب مرجعية الولاء
تأتي : {فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا}، لتضع معياراً حاسماً عند تعارض العاطفة مع الحق، فالمؤمن، وفق هذه الرؤية، لا يجعل محبته لأبيه أو ابنه أو قريبه سبباً لتعطيل حكم الله أو إهدار حق الآخرين، والبعد هنا ليس إلغاء الروابط الأسرية، بل إعادة ترتيبها داخل منظومة الحق، فالمحبة لا ينبغي أن تتحول إلى ظلم، والرحمة لا ينبغي أن تتحول إلى محاباة، والقرابة لا ينبغي أن تتحول إلى تعطيل للعدالة.

 

القسط مسؤولية فردية وجماعية في آن واحد

لا تحصر الرؤية إقامة القسط في الدولة أو المؤسسات أو القيادات، كما لا تختزلها في العمل الفردي، بل تضع مستويين متكاملين، المستوى الفردي، حيث يمكن للفرد أن يقول شهادة الحق،
ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويقدم النصيحة، ويرفض الظلم، ويؤدي الحقوق، ويصحح أخطاءه، وينصف الآخرين،
وفي المستوى الجماعي فإن إقامة القسط بصورة شاملة تحتاج إلى أمة منظمة تتحرك وفق منهج واضح، وهنا يأتي الاستدلال بقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}، وبذلك تكتمل المعادلة، فالفرد الصالح و الأمة الواعية والمنهج ينتج قدرة أكبر على إقامة القسط.

 

من إصلاح الفرد إلى بناء الأمة

من أبرز دلالات الدرس أنه لا يتعامل مع إصلاح المجتمع باعتباره مجرد تجميع لمجموعة من الأفراد الصالحين، فإقامة القسط بصورة كاملة تحتاج إلى بناء الأمة نفسها على أساس الهداية،
أي أن المجتمع يحتاج إلى منظومة متكاملة من القيم والمؤسسات والممارسات التي تجعل القسط جزءاً من طريقة عمله، لا مجرد موقف فردي عابر، وهنا تنتقل القضية من «كيف أكون عادلاً؟» ، إلى سؤال أوسع، «كيف نبني مجتمعاً يجعل القسط قاعدة في حياته؟»، وهذا التحول هو أحد أهم الأبعاد السياسية والاجتماعية والفكرية في الرؤية.

 

القسط باعتباره معياراً للحكم على الواقع

إذا كان القسط هو المعيار، فإن بالإمكان استخدامه لتقييم مختلف جوانب الحياة، يمكن أن يصبح السؤال المركزي عند تقييم أي ممارسة،
هل وضعت الحقوق في مواضعها؟ وهل أُعطي كل إنسان حقه؟ وهل تتساوى المعايير؟ وهل تُتخذ القرارات على أساس الحق أم على أساس المصالح؟ وهل يتحمل المسؤول مسؤوليته؟

وهل تطبق القاعدة على القريب كما تطبق على البعيد؟ وبهذا يصبح القسط أداة لقراءة الواقع وتشخيص الاختلالات، وليس مجرد قيمة أخلاقية عامة.

 

البعد الحضاري للرؤية

لا تتوقف أهمية القسط عند حدود المجتمع المسلم، بل تمتد إلى علاقة الإسلام بالإنسانية،
فالدرس يربط بين إقامة القسط وبين قدرة الناس على الانجذاب إلى الدين والتأثر به، وهنا يظهر البعد الحضاري للرؤية، فالإسلام لا يحتاج فقط إلى خطاب يدافع عنه، وإنما يحتاج إلى واقع يجسد قيمه، فالعدل عندما يتحول إلى ممارسة، والرحمة عندما تتحول إلى سلوك، والنزاهة عندما تصبح قاعدة، والمسؤولية عندما تتحول إلى ثقافة؛ فإنها تقدم صورة عملية عن الدين، ومن ثم فإن أفضل دفاع عن القيم الدينية ليس الخطاب وحده، وإنما التجسيد العملي لهذه القيم في حياة الناس.

 

القسط بوصفه مشروعاً لمواجهة الاختلال الاجتماعي

يمكن قراءة هذه الرؤية باعتبارها مشروعاً لإعادة بناء المجتمع على أساس مقاومة الاختلالات، فالظلم لا يظهر فقط في الاعتداء المباشر على الحقوق، وإنما يمكن أن يظهر في المحاباة، والتمييز، والفساد وتعطيل الحقوق، وإساءة استخدام السلطة، والتهرب من المسؤولية، وازدواجية المعايير، وتقديم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، ومن هنا فإن «القوامة بالقسط» تعني أن يكون هناك وعي دائم باكتشاف الاختلال وتصحيحه

 

خاتمة
إن القيمة الأساسية التي يمكن استخلاصها من مضامين الدرس العشرين تتمثل في إعادة وضع القسط في مركز المشروع الإسلامي للحياة، فالإيمان ليس مجرد معرفة، والعدل ليس مجرد شعار، والدين ليس مجرد طقوس، والمسؤولية ليست مهمة الآخرين، إنها منظومة تبدأ من الإنسان نفسه، أن يكون مستعداً للإنصاف حتى على نفسه، ثم تمتد إلى أسرته ومحيطه ومجتمعه، وصولاً إلى بناء أمة تجعل القسط منهجاً في حياتها، وتبرز في هذا السياق فكرة شديدة الأهمية، أن المسلمين لا يقدمون الإسلام إلى العالم بخطابهم فقط، وإنما يقدمونه أيضاً من خلال واقعهم، فإذا كان الواقع قائماً على القسط والحق والمسؤولية، أصبح شاهداً على هداية الدين؛ وإذا كان الواقع مليئاً بالظلم والازدواجية والمحاباة، أصبحت الممارسة نفسها مدخلاً لتشويه صورة الدين، ولهذا فإن الرسالة الأعمق في الدرس يمكن صياغتها في قاعدة واحدة، إقامة القسط ليست نتيجة ثانوية للإيمان؛ بل هي من أبرز صور تحوّل الإيمان إلى حياة، وبهذا المعنى، تتحول الآية: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ}، من مجرد توجيه أخلاقي إلى مشروع متكامل لبناء الإنسان والمجتمع والأمة، وإلى شهادة عملية بأن هداية الله قادرة على أن تتحول من نصوص وتعاليم إلى واقع حيّ قائم على الحق والعدل والهدى.

 

يمانيون .