رئيس الوفد الوطني يفتح أوراق صنعاء: الحوار مفتوح.. والرد مستمر.. وهذه مفاتيح التهدئة


في تصريح بدا أقرب إلى رسم خريطة سياسية للمرحلة المقبلة منه إلى مجرد تعليق على التصعيد، وضع رئيس الوفد الوطني المفاوض محمد عبدالسلام ثلاث رسائل على الطاولة دفعة واحدة: صنعاء تعتبر عملياتها العسكرية ردًا على التصعيد والحصار الأمريكي السعودي المستمر منذ 12 عاما، وترى أن سنوات “الهدنة” أي مرحلة خفض التعصيد” تحولت إلى ضغط اقتصادي ومعيشي بعد ان استغلتها الرياض ضد اليمنيين ، وفي الوقت ذاته تؤكد أن باب التفاوض لم يغلق لكن الأهم أن عبدالسلام ربط أي مسار قادم بملفات محددة، في مقدمتها فتح المطارات والموانئ وصرف المرتبات واستئناف تصدير النفط والغاز، لتبدو الرسالة واضحة: لا عودة إلى تهدئة منفصلة عن تنفيذ الحقوق والملفات الإنسانية.

 

تقرير |محسن علي

 

لم يأتِ تصريح رئيس الوفد الوطني المفاوض محمد عبدالسلام بوصفه ردًا عابرًا على التطورات الأخيرة، بل حمل في عباراته رسالة سياسية متكاملة تحدد كيف تقرأ صنعاء المرحلة الحالية، وما الذي تريده من أي تحرك إقليمي أو دولي قادم، فعبدالسلام بدأ من الميدان، مؤكدًا أن العمليات التي تنفذها القوات المسلحة ضد السفن السعودية والتحشيدات والمعسكرات المتمركزة داخل اليمن، تأتي في إطار الرد على الاعتداءات، وفي مقدمتها استهداف مطار صنعاء في 13 يوليو 2026، لكن الرسالة الأهم لم تكن عسكرية فقط.

 

 

 

الهدنة.. من “خفض التصعيد” إلى “الضغط الاقتصادي”

 

يستعيد عبدالسلام سنوات الهدنة ليقدم رواية صنعاء لما جرى خلالها؛ إذ يؤكد أن صنعاء التزمت أربع سنوات بخفض التصعيد، بينما استُغلت الهدنة، من جانب العدو السعودي في تصعيد اقتصادي ومعيشي استهدف إنهاك المجتمع اليمني، وهنا يضع التصريح الاقتصاد في قلب الصراع، مستشهدًا بما يصفه بتعقيد إجراءات وصول السفن إلى ميناء الحديدة، واستهداف البنوك والصرافين والتجار، وما ترتب على ذلك من ارتفاع في تكاليف السلع وتفاقم معاناة المواطن، ما يتضح أن الدلالة السياسية في هذه النقطة أن صنعاء لا تنظر إلى الملف الاقتصادي باعتباره ملفًا منفصلًا عن المسار العسكري، بل تعتبره جزءًا من معادلة الصراع نفسها.

 

 

“باب الحوار مفتوح”.. ولكن!

 

في مقابل لهجة التصعيد، يحرص عبدالسلام على تثبيت نقطة شديدة الأهمية: الحوار لم يُغلق، لكن التصريح لا يكتفي بهذا الإعلان، بل يتهم السعودية برفض الحوار والمماطلة لاستكمال التحضيرات العسكرية، وهنا تظهر واحدة من أبرز رسائل البيان: صنعاء تقول للوسطاء إنها لا ترفض التفاوض، لكنها في الوقت نفسه لا ترى أن التفاوض يفرض عليها وقف أدوات الضغط أو الرد العسكري من طرف واحد، بمعنى آخر، لا يضع التصريح الحوار في مواجهة القوة، وإنما يتعامل مع المسارين باعتبارهما متوازيين.

 

 

 

الرسالة الأوضح.. ماذا تريد صنعاء؟

 

في نهاية التصريح، تتضح الصورة أكثر، إذ ربط رئيس الوفد الوطني أي مسار قادم بتحقيق “الحقوق المشروعة للشعب اليمني” ويحدد أربعة ملفات رئيسية وهي: فتح المطارات والموانئ، صرف المرتبات، استئناف تصدير النفط والغاز، وتحويل عائداته لصالح الخدمات العامة، وهذه ليست مجرد مطالب إنسانية في صياغة التصريح؛ بل تبدو بمثابة مفاتيح لأي تسوية قادمة، فصنعاء، وفق الرسالة التي يحملها التصريح، لا تريد عودة إلى مرحلة تهدئة تقتصر على خفض العمليات العسكرية، بينما تبقى الملفات الاقتصادية والإنسانية معلقة.

 

 

 

النفط والمرتبات.. قلب المعادلة

 

اختيار عبدالسلام للمرتبات والنفط والموانئ والمطارات تحديدًا يكشف طبيعة الأولويات التي يريد الوفد الوطني تثبيتها، فالمرتبات تمثل الملف الأكثر التصاقًا بحياة الموظفين والأسر، والموانئ والمطارات ترتبط بالحركة التجارية والإنسانية، بينما يمثل النفط والغاز أحد أهم الملفات الاقتصادية، ومن ثم، فإن جمع هذه الملفات في جملة واحدة يعني أن المدخل الذي تطرحه صنعاء لأي مسار ليس سياسيًا فقط، بل اقتصادي وإنساني أيضًا.

 

 

 

الرسالة إلى الوسطاء

 

التصريح، في جانب آخر، يبدو موجهًا بوضوح إلى الأطراف الإقليمية والدولية التي يتواصل معها الوفد الوطني،مفاده أن المطلوب من أي وساطة مقبلة ليس فقط احتواء التصعيد، وإنما الوصول إلى نتائج عملية في الملفات التي تعتبر جوهرية.

 

وهنا تنتقل الرسالة من سؤال: كيف نوقف التصعيد؟إلى سؤال أكثر عمقًا: ما الذي يجب أن يتغير حتى يصبح وقف التصعيد قابلًا للاستمرار؟ وهذه النقلة هي جوهر تصريح عبدالسلام.

 

 

 

مسارات متوازية أمام المرحلة المقبلة

 

يضع محمد عبدالسلام في تصريحه ثلاثة مسارات متوازية أمام المرحلة المقبلة: استمرار الرد العسكري في مواجهة التصعيد السعودي، إبقاء باب التفاوض مفتوحًا، وربط أي مسار سياسي بمعالجة الملفات الإنسانية والاقتصادية، وبذلك، لا يبدو التصريح إعلانًا عن إغلاق باب التسوية، بل محاولة لإعادة تعريف شروطها من وجهة نظر صنعاء، فالرسالة النهائية التي يتركها التصريح ليست «الحرب بدل الحوار»، ولا «الحوار بدل الحرب»، وإنما معادلة أكثر وضوحًا: الحوار ممكن، لكن التهدئة المستدامة لا تنفصل عن الحقوق؛ والحقوق تبدأ من الموانئ والمطارات والمرتبات وموارد النفط والغاز، وفي هذا السياق، يبدو أن المعركة المقبلة لن تكون على الميدان وحده، بل على شكل التسوية نفسها: هل تكون مجرد خفض للتصعيد، أم مدخلًا لمعالجة الملفات التي ظلت معلقة طوال سنوات؟

ختاما

 

وبينما تتجه الأنظار إلى ما ستفضي إليه الاتصالات الإقليمية والدولية، فإن تصريح عبدالسلام يترك رسالة واحدة شديدة الوضوح: صنعاء لا تعرض هدنة جديدة بالشروط القديمة، بل تريد مسارًا يربط الهدوء بالحقوق، ويحوّل الملفات الإنسانية من وعود مؤجلة إلى استحقاقات واجبة التنفيذ.