التحشيدات والجحافل المعادية  في منظور “فاعلم أنه لا إله إلا هو”   


بقلم. إبراهيم محمد الهمداني 

 

مما لا شك فيه؛ أن وجود تلك التحشيدات العسكرية المعادية – بقيادة العدو السعودي وأسياده، وبالشراكة مع جحافل مرتزقة وعملاء وخونة الداخل – على الأراضي اليمنية، لم يكن له أي مشروعية دينية أو أدنى مبرر قانوني، كما أن تلك التحشيدات والجحافل الإجرامية، لم تكن ذات مهمة إنسانية، ولم يكن زحفها نحو المناطق الحرة، لكي توزع الورود والحلوى لأبناء اليمن، وإنما كانت ذات مهمة عسكرية حربية عدوانية، تستهدف الإنسان اليمني: قتلا وذبحا وتنكيلا وإبادة ومحو شامل، وتستهدف جغرافيا المناطق الحرة: بالخراب والتدمير الشامل، والتسلط والاستبداد والهيمنة، ونهب واستنزاف الثروات والخيرات والمقدرات، وتحويل هذا الوطن الجميل، إلى ركام هائل من الرماد والفقر والاستلاب، وتهيئة ما تبقى من ذلك الركام، ليكون ضمن قطعان التطبيع، عبيدا لمملكة “إسرائيل الكبرى” المزعومة، وحديقة خلفية لقوى الاستعمار والهيمنة، بمشروعها الإضلالي الإفسادي والوحشي الإجرامي الصهيوني الشيطاني، ولذلك كان استهداف تلك التحشيدات المعادية، وإنزال أقسى الضربات المنكِّلة بها، واجبا دينيا ومسؤولية إيمانية في المقام الأول، في إطار فريضة الجهاد المقدس، في سبيل الله ونصرة المستضعفين، بوصف الجهاد هو الحل الوحيد، لمواجهة قوى الكفر والطغيان، وضمان استمرار الحياة الإنسانية الكريمة، كما أثبت – ذلك الاستهداف أيضا – قيمة وأهمية امتلاك القوة الرادعة، وإمكانية ذلك بين المستضعفين، ومعنى أن تكون قويا، في عالم لا يؤمن إلا بلغة القوة والردع.

يمكن القول إن التجربة العسكرية الميدانية، التي خاضها الشعب اليمني وقواته المسلحة من صنعاء، هي تجربة فريدة ومتميزة بكل معنى للكلمة، وتمتلك من المميزات المتفردة، ما يؤهلها لأن تُدرس في الكليات والأكاديميات المتخصصة، ليس بوصفها إضافة علمية نوعية، بل لأنها استطاعت – برصيد انتصاراتها التراكمي على مدى 12 عاما – إحداث تغيير مفاهيمي وسلوكي جذري عميق، في بنية الوعي الجمعي اليمني، وخلخلة التصورات والبنى المعرفية والمنهجية، السائدة في بنية العقل الجمعي الإنساني، حيث بدأ الأخير يتساءل: عن سر عدم خضوع الشعب اليمني، لقوانين القوة ومنطق الهيمنة والتسلط، رغم أنه كان مهيأً للخضوع والاستسلام، أكثر من غيره من ناحية، وأن جميع القوى الاستعمارية العالمية والإقليمية، قد تحالفت ضده بالإجماع من ناحية ثانية، غير أن ما لم تدركه تلك القوى الإجرامية المتحالفة، هو أن يمن المشروع القرآني، بقيادته الربانية الثورية الحكيمة، وقيادته السياسية التنموية المخلصة، قد جعل من بناء الإنسان روحيا ومعرفيا، اللبنة الأساس والمرتكز الرئيس، في مسار الصمود والانتصار.

وبذلك استطاع الإنسان اليمني، اجتراح تجربة صمود وانتصار تكاملية شاملة، واستطاع من خلال تجربته العسكرية خاصة، تأسيس منهج علمي عملي، وتقديم نهج معرفي جديد، مغاير للمألوف ومختلف عن السائد، أعاد صياغة أبجديات وأسس ومبادئ العلوم العسكرية، وفقا للمعطيات القرآنية، بما يضمن صدق ودقة المعلومة، وجودة المنتج المعرفي، وفاعلية ونجاح الأسلوب، وقابلية المنهج التفاعلي للتطبيق بامتياز، ونجاحه على نطاق واسع، في كل ميادين الحياة المتصلة بالميدان العسكري، حيث تلتقي بساطة المدخلات – وركيزتها الإنسان بعد بنائه روحيا ومعرفيا – بعظمة المخرجات، التي تعكس طبيعة التقدم المتحقق ميدانيا/ عسكريا، وتقنيا واستراتيجيا، في صورة الانتصارات الميدانية، التي بدأت من “ألف باء” الصمود، وصولا إلى خوارزميات التكنولوجيا والتطور التقني، وامتلاك المعلومة ومقومات القوة والتفوق، وحين يلتقي هذان الشرطان، في وعي الإنسان المؤمن بالله سبحانه وتعالى، المرتبط به ارتباطا كاملا، فإن مخرجات الميدان ستكون بالفعل مذهلة.

حملت التجربة العسكرية اليمنية عامة، وعملية استهداف تحشيدات العدو السعودي ومرتزقته – خصوصا – في بعديها: الديني والدنيوي، عددا من الرسائل والدلالات الهامة، على كافة المستويات والأصعدة، المحلية والإقليمية والعالمية؛ ففي بعدها الديني: تجسد – هذه العملية – طبيعة الاستجابة الفعلية العملية، من قبل القوات المسلحة اليمنية، لدعوة الله سبحانه وتعالى ورسوله وأعلام الهدى، لما فيه حياتنا وعزتنا وكرامتنا، وفوزنا وفلاحنا في الدنيا والآخرة، وبناء على هذا المستوى المتقدم من الوعي الإيماني، تتخذ الحروب مفهوما ومسارا وتكتيكا مغايرا للسائد، ومختلفا تماما عن المألوف، حيث تنتظم هذه الحرب تحت مفهوم فريضة الجهاد، بدلا عن مفهوم الصراعات والنزاعات العصبية والأهواء الشخصية، ويبرز مفهوم سبيل الله ونصرة المستضعفين: كطريق أساس وغاية مثلى، بدلا عن مفهوم سبيل الوطن والمصلحة القومية أو الوطنية، المحكومة برؤى ومحددات بشرية قاصرة، ويبرز مفهوم الشهادة في سبيل الله، تعبيرا عن تضحية عظيمة ثمنها الجنة، كبديل عن مفهوم الموت في سبيل الوطن أو لأجلالزعيم، في دلالته على التضحية المجانية الفارغة، وتحل قداسة تصور “إحدى الحسنيين”، خاتمة واضحة في المسار الجهادي، محل صورة النصر أو الموت، المتفق عليها كخاتمة مادية في المسار التقليدي للحروب.

كما تتجلى عظمة الجهاد في مرجعيته الإلهية، وما يترتب عليها في نفوس وقلوب المجاهدين، من التصديق واليقين الخالص بأنه “لا إله إلا هو”، وانعكاسات ذلك على سلوكياتهم وأفعالهم؛ من صدق التوكل عليه والثقة المطلقة به، واليقين الكامل بحتمية وعوده، وطلب العون والتأييد والتوفيق منه وحده، وحين عظم الله سبحانه وتعالى في قلوبهم، صغر وهان ما ومن دونه، بخلاف مرتكزات العقيدة القتالية في الصراعات التقليدية، التي تنتهي مرجعيتها عند رغبة ورؤية القائد أو الزعيم، في تموضعه البشري القاصر، بناء على عداوات وأطماع ذاتية حينا، أو تلبية لأوامر حليف إقليمي حينا آخر، لحماية مصالحه ونفوذه، كما هو الشأن فيما يعرف بـ “الحروب بالوكالة”، وما أكثر في واقعنا العربي والإسلامي، حيث تبنى حساباتها ومعادلاتها، على طبيعة الولاءات والتحالف، التي تقودها من يسمونها “القوى الكبرى”، وتُقرأ نهاياتها المحتملة، بناء على عمق الارتباط بها والولاء لها، ومدى قدرة “نظام الوكيل المرتزق”، على الاستمرار في خدمة مصالح ونفوذ سيده، وسرعان ما تتخلى تلك القوى الاستعمارية، عن عملائها الوكلاء المحليين، في أول مزاد على تقاسم المصالح والنفوذ، وتستبدل العملاء القدامى بآخرين جدد، دون أن تمنحهم أدنى مقام أو فضيلة سبق، ودون أن يكون لتضحيتهم معنى أو قيمة.

وفي بعدها الدنيوي: تأتي عملية استهداف التحشيدات المعادية في خصوصها، تتويجا لمرحلة سابقة من الانتصارات، وفاتحة لمرحلة جديدة متقدمة، في إطار التجربة العسكرية اليمنية بعموميتها، التي تجاوزت أنساق الرد والردع المحدود، إلى تثبيت معادلات الردع التماثلي، #الحصار_بالحصار و #التصعيد_بالتصعيد وصولا إلى فرض معادلة الحصار الشامل، والضرب بأقسى وأقوى مما يتخيل العدو السعودي، والتحذير من مغبة الاستمرار في الهروب، وعواقب الدفع بتحشيداته وقطعان مرتزقته، لإشعال جبهات الداخل اليمني، وإشغال الجيش اليمني عن عدوه الحقيقي وهدفه الأساس، وهذا ما تعمد العدو السعودي تنفيذه، غير مكترث للتحذير المسبق، وذلك كلفه الكثير من الخسائر المادية والمعنوية والبشرية، وقد باءت مغامرته المجنونة بالفشل، حيث استطاع الجيش اليمني إسقاط وإبطال فاعلية التحشيدات الهائلة، بضربات استباقية قاسية ومنكلة، كما استمر في فرض وتثبيت معادلاته، من حظر الملاحة على الكيان السعودي، إلى حظر تصدير النفط السعودي، عبر البحر الأحمر وباب المندب، إلى الاغلاق الكامل للموانئ السعودية، وقد يصل الأمر إلى إغلاق المطارات وجميع المنافذ، وإطباق الحصار الشامل على الكيان السعودي الوظيفي، إلى أن يرفع عدوانه وحصاره واحتلاله عن الشعب اليمني، الذي لم يتوقف منذ 12 عاما.

تشكل عملية استهداف التحشيدات المعادية، خلاصة استلهام السنن الإلهية، وصورة التسليم المطلق للموجهات القرآنية العظيمة، وطبيعة التحرك العملي والاستجابة الفعلية، لدعوة الله تعالى ورسوله وأعلام الهدى، وما يترتب عليها من نتائج إيجابية ملموسة، سواء على المستوى المعنوي في الارتقاء الروحي والإيماني، وتعميق الارتباط بالله سبحانه وتعالى، أو على المستوى المادي في الكم الهائل من الانتصارات والمكاسب الميدانية التراكمية، والقدرة على إيذاء وردع العدو وأدواته، وقطع أسباب شرورهم وخطرهم عنا، خاصة وأننا – كما يقول السيد القائد – نمتلك من أسباب النصر، والقدرة على الحسم وانتزاع الحقوق والسيادة، ما يجعلنا نخوض هذه المعركة، باطمئنان كامل إلى تحقق وعد الله بالنصر والغلبة، وإن أعداءنا سيفاجئون بنا في البر والبحر، وسيرون منا ما يصعقهم ويعجل بهزيمتهم وزوالهم.

إن أهمية هذه العملية العسكرية الكبرى، تتجاوز المعادلات والحسابات المادية المتعارف عليها، وتكسر منطق تقاسم المصالح والنفوذ والهيمنة، المعمول به في قوانين القوى الاستعمارية، كما أنها تخترق منظومة ميزان القوى والتحالفات العالمية، ويمكن تتبع أهمية هذه العملية – بشكل أكثر عمقا – من خلال قراءة وتحليل وتفكيك وربط تفاصيلها، لترسم كل تفصيلة على حدة، صورة كاملة لعظمة الإنجاز الميداني، وتؤدي في اتصالها المتكامل، مشاهد حيوية متصلة لسلسلة من الانتصارات الربانية، والتأييد الإلهي العظيم، كنتيجة طبيعية للتحرك في ميدان المواجهة، اتكالا على الله سبحانه وتعالى، واعتمادا على عونه وقوته، وثقة بحكمته وتدبيره، ويقينا بحتميه وعوده (الحتميات الثلاث)، ورهبة من غضبه وعذابه، ورغبة في مرضاته وجزيل ثوابه، حسب مقتضيات الاعتقاد والسلوك، المبني على معرفة الله سبحانه وتعالى، “أنه لا إله إلا هو”.