الحرب على إيران وأثرها على العلاقة الأمريكية الصينية
تقرير | أنس القاضي
تأتي الزيارة المرتقبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين من 13 إلى 15 مايو الجاري، في لحظة تشهد تصاعداً واسعاً في التوترات الدولية المرتبطة بالحرب العدوانية الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، واتساع الصراع حول الممرات البحرية والطاقة والتكنولوجيا والتجارة العالمية، ولم تعد القمة الأمريكية–الصينية المرتقبة تقتصر على الملفات التجارية والرسوم الجمركية كما كان الحال في السنوات الماضية، بل أصبح الملف الإيراني أحد أبرز موضوعاتها في ظل إدراك واشنطن أن للصين تأثيراً مهماً على الاقتصاد الإيراني وأسواق الطاقة العالمية، وإدراك بكين أن الحرب على إيران ترتبط مباشرة بأمن الطاقة الصيني واستقرار التجارة البحرية وموقع الولايات المتحدة داخل الاقتصاد العالمي؛ ولهذا تحضر إيران في هذه الزيارة بوصفها جزءاً من الصراع الأوسع بين الولايات المتحدة والصين على النفوذ والطاقة والممرات البحرية وقيادة الاقتصاد العالمي خلال المرحلة المقبلة.
لم تعد الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران تُقرأ بوصفها مواجهة تخص “الشرق الأوسط” فقط، بل أصبحت جزءاً من الصراع العالمي على الطاقة والتجارة والممرات البحرية والنفوذ الاقتصادي؛ فالتطورات التي أعقبت العدوان الأمريكي والإسرائيلي على إيران منذ فبراير 2026م دفعت العلاقة بين الولايات المتحدة والصين إلى مرحلة أكثر حساسية، لأن الحرب مست بصورة مباشرة المصالح الصينية المرتبطة بالنفط والتجارة البحرية والاستقرار الاقتصادي العالمي.
تدرك واشنطن أن الصين تمثل الشريان الاقتصادي الأهم لإيران خلال السنوات الأخيرة؛ فـبكين تُعد أكبر مستورد للنفط الإيراني، كما وفرت لطهران منفذاً مهماً لتخفيف أثر العقوبات الأمريكية والغربية؛ ولهذا حاولت الإدارة الأمريكية استخدام زيارة ترامب للضغط على الصين من أجل دفعها إلى ممارسة نفوذ أكبر على إيران، سواء لدفعها نحو التهدئة أو لمنع توسع الحرب بصورة تهدد الاقتصاد العالمي.
لكن الصين تنظر إلى الحرب من زاوية مختلفة عن الولايات المتحدة، فبكين لا ترى إيران مجرد دولة في “الشرق الأوسط”، بل تنظر إليها باعتبارها جزءاً من أمن الطاقة الصيني ومن شبكة الطرق البرية والبحرية التي تربط آسيا بالخليج و”الشرق الأوسط” وأوروبا، كما تدرك أن أي سيطرة أمريكية كاملة على الخليج والممرات البحرية المحيطة به ستمنح واشنطن قدرة أكبر على الضغط على الاقتصاد الصيني نفسه.
لهذا السبب لم تؤيد الصين الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، كما لم تنْضمَّ إلى الضغوط الغربية الهادفة إلى خنق طهران بصورة كاملة، وفي الوقت نفسه، تجنبت بكين الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة دفاعاً عن إيران، لأن الصين تدرك أن أولويتها الحالية تتمثل في حماية الاقتصاد الصيني وتجنب التورط في صدام عسكري واسع قبل اكتمال تحولها إلى قوة عسكرية وتقنية تضاهي الولايات المتحدة.
يكشف هذا الموقف طبيعة السياسة الصينية الحالية تجاه الحرب على إيران والمنطقة عموماً، فبكين تريد منع انهيار الدولة الإيرانية ومنع الهيمنة الأمريكية الكاملة على الخليج، كما تريد الحفاظ على تدفق الطاقة ومنع انفجار اقتصادي عالمي واسع يضرب التجارة والصناعة والأسواق الدولية. لكنها في الوقت نفسه لا تريد حرباً إقليمية مفتوحة، ولا تعطيل التجارة العالمية، ولا الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة؛ ولهذا تتحرك الصين بحذر شديد، وتحاول الجمع بين استمرار العلاقات الاقتصادية مع إيران، والحفاظ على علاقاتها الواسعة مع السعودية والإمارات ودول الخليج، مع تجنب الدخول في محور عسكري مباشر ضد واشنطن.
في المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى الحرب من زاوية أوسع من الملف النووي الإيراني أو الصراع مع طهران وحدها، فالحرب ترتبط أيضاً بالممرات البحرية والطاقة العالمية وموقع الولايات المتحدة داخل الاقتصاد العالمي وقدرتها على التحكم بالتجارة الدولية. ومن هنا يمكن فهم التصعيد الأمريكي في الخليج والبحر الأحمر وباب المندب وشرق المتوسط بأن واشنطن تدرك أن الصين أصبحت أكثر اعتماداً على الطاقة القادمة عبر هرمز وباب المندب، وأن السيطرة العسكرية الأمريكية على هذه المناطق تمنحها ورقة ضغط استراتيجية على بكين نفسها؛ ولهذا لم تعد المنطقة مجرد ساحة مواجهة مع إيران أو ساحة للدفاع عن الإجرام الصهيوني فقط، بل أصبحت جزءاً من الصراع على الاقتصاد العالمي وطرق التجارة والطاقة.
كشفت الحرب أيضاً حجم التغير الذي أصاب النظام الدولي خلال السنوات الأخيرة، ففي مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، كانت الولايات المتحدة قادرة على فرض حصار واسع على خصومها دون وجود قوة اقتصادية عالمية تستطيع كسر العزلة أو توفير بدائل تجارية ومالية حقيقية. أما اليوم، فقد غيّر صعود الصين جزءاً من هذه المعادلة. صحيح أن واشنطن ما تزال تمتلك القوة العسكرية الأكبر، والنفوذ المالي الأوسع، والسيطرة على جزء كبير من النظام المالي العالمي، لكن الصين أصبحت قادرة على تخفيف أثر العقوبات عبر شراء النفط الإيراني، وتوفير أسواق واستثمارات، والمساهمة في منع العزل الكامل لخصوم الولايات المتحدة، وهذا ما يفسر جانباً من القلق الأمريكي تجاه العلاقة الصينية–الإيرانية، حتى مع استمرار الحذر الصيني ورفض بكين الدخول في مواجهة مباشرة.
لكن الحرب كشفت أيضاً حدود القوة الصينية الحالية، فبكين ما تزال تعتمد بصورة واسعة على استيراد الطاقة عبر البحر، وعبر الممرات البحرية الخاضعة للتفوق العسكري الأمريكي، كما يعتمد اقتصادها على استقرار التجارة العالمية، وهذا يعني أن الولايات المتحدة ما تزال قادرة على تهديد الاقتصاد الصيني عبر تعطيل الملاحة أو الضغط البحري أو توسيع العقوبات أو استهداف طرق التجارة والطاقة. لهذا تعمل الصين منذ سنوات على تقليل هذا الخطر عبر توسيع خطوط الطاقة البرية مع روسيا وآسيا الوسطى، وتطوير مشروع “الحزام والطريق”، وزيادة الاحتياطات النفطية، وبناء حضور بحري متدرج، وتوسيع النفوذ في الموانئ الآسيوية والأفريقية، لكن هذه الجهود لم تصل بعد إلى مستوى يسمح للصين بالتحرر الكامل من النفوذ البحري الأمريكي. ومن هنا يمكن فهم سبب حرص بكين على منع تحول الحرب على إيران إلى مواجهة شاملة طويلة تؤدي إلى تعطيل هرمز وارتفاع أسعار الطاقة واضطراب التجارة العالمية وإبطاء الاقتصاد الصيني، إضافة إلى زيادة النفوذ العسكري الأمريكي في الخليج والبحر الأحمر.
أظهرت الحرب على إيران أن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين دخلت مرحلة تختلف عن مرحلة “العولمة” التي سادت بعد نهاية الحرب الباردة، ففي تلك المرحلة، جرى دمج الصين داخل الاقتصاد العالمي بوصفها مركزاً صناعياً ضخماً يخدم توسع الرأسمالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة، أما اليوم، فقد أصبحت الصين قوة صناعية وتكنولوجية ومالية تسعى إلى توسيع نفوذها العالمي، بينما تحاول واشنطن منع هذا الصعود أو إبطاءه.
لهذا لم تعد الحرب على إيران حدثاً منفصلاً عن الصراع الأمريكي–الصيني، بل أصبحت جزءاً من التنافس على الطاقة والممرات البحرية وسلاسل التوريد والنفوذ الاقتصادي والسيطرة على التجارة العالمية. وقد برز ذلك بوضوح في الطريقة التي تعاملت بها الولايات المتحدة مع مضيق هرمز والبحر الأحمر خلال الحرب، فواشنطن لم تكن تحاول فقط الضغط على إيران أو حماية “إسرائيل”، بل كانت تسعى أيضاً إلى تأكيد قدرتها على التحكم بالممرات التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي، وخصوصاً الاقتصاد الصيني.
وفي المقابل، تعاملت الصين مع الحرب باعتبارها تهديداً مباشراً لاستقرار الاقتصاد العالمي ولمصالحها التجارية والطاقة؛ فبكين تعتمد بصورة كبيرة على النفط القادم من الخليج، كما تعتمد صناعاتها وصادراتها على استمرار حركة الملاحة عبر المحيط الهندي وباب المندب والبحر الأحمر. ولهذا دفعت باتجاه احتواء التصعيد ومنع إغلاق هرمز والحفاظ على تدفق التجارة والطاقة ومنع تحول الحرب إلى مواجهة إقليمية واسعة.
لكن الصين لم تمارس هذا الدور من موقع القوة العسكرية المباشرة، بل عبر العلاقات الاقتصادية والضغط الدبلوماسي والتفاهمات مع دول الخليج وإيران، إضافة إلى استخدام وزنها التجاري والنفطي. وهنا تظهر الفجوة الأساسية بين الولايات المتحدة والصين، فواشنطن ما تزال تعتمد بصورة رئيسة على القوة العسكرية والأساطيل البحرية والقواعد العسكرية والعقوبات المالية، بينما تعتمد الصين بصورة أكبر على التجارة والاستثمارات والتكنولوجيا والربط الاقتصادي والنفوذ الصناعي.
لكن الحرب أظهرت أيضاً أن الصين لا تستطيع حتى الآن حماية مصالحها العالمية بالقوة العسكرية كما تفعل الولايات المتحدة؛ فبكين تمتلك اقتصاداً ضخماً ونفوذاً تجارياً واسعاً، لكنها ما تزال عاجزة عن تأمين طرق الطاقة والتجارة العالمية بصورة مستقلة عن التفوق البحري الأمريكي. وهذا ما يدفع الصين إلى تسريع بناء قوتها البحرية وتطوير الصناعات العسكرية وتوسيع الحضور في الموانئ والقواعد اللوجستية، إضافة إلى ربط آسيا وأفريقيا وأوروبا بشبكات نقل وتجارية تقلل الاعتماد على الممرات الخاضعة للهيمنة الأمريكية.
وفي المقابل، تدرك الولايات المتحدة أن الوقت يعمل جزئياً لصالح الصين، فكل سنة تمر تمنح بكين توسعاً صناعياً أكبر وتطوراً تكنولوجياً أوسع ونفوذاً اقتصادياً أعمق داخل آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ولهذا تحاول واشنطن استخدام العقوبات والحروب التجارية والضغط على التكنولوجيا والتحالفات العسكرية والسيطرة على الممرات البحرية لمنع تحول الصين إلى قوة قادرة على منافستها عالمياً بصورة كاملة.
كشفت الحرب على إيران أيضاً أن “الشرق الأوسط” عاد إلى قلب الصراع العالمي بعد سنوات من الحديث الأمريكي عن “التحول نحو آسيا”؛ فالولايات المتحدة لا تستطيع التخلي عن الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط، لأن هذه المناطق ترتبط مباشرة بالطاقة العالمية والملاحة الدولية والاقتصاد الصيني وحركة التجارة بين آسيا وأوروبا، ومن هنا تزداد أهمية الخليج والبحر الأحمر وباب المندب والقرن الأفريقي داخل التنافس الأمريكي–الصيني خلال السنوات المقبلة.
كما كشفت الحرب أن إيران نفسها أصبحت جزءاً من التوازنات المرتبطة بالصراع العالمي؛ فالصين لا تريد سقوط الدولة الإيرانية أو تحول الخليج إلى منطقة خاضعة بالكامل للنفوذ الأمريكي، لأن ذلك سيمنح واشنطن قدرة أكبر على الضغط على الاقتصاد الصيني والطاقة الآسيوية، لكن بكين في الوقت نفسه لا تريد حرباً إقليمية واسعة أو صداماً مباشراً مع الولايات المتحدة أو اضطراباً طويل الأمد في أسواق الطاقة والتجارة.
لهذا ستستمر الصين غالباً في سياسة تقوم على دعم بقاء إيران وتخفيف آثار العقوبات ومنع العزل الكامل لطهران، مع الدفع نحو التهدئة ومنع توسع الحرب بصورة تهدد الاقتصاد العالمي. وفي المقابل، ستواصل الولايات المتحدة محاولتها استخدام التفوق البحري والنظام المالي والعقوبات والتحالفات العسكرية للضغط على الصين بصورة غير مباشرة عبر الخليج والطاقة والممرات البحرية.
تشير هذه التطورات إلى أن العلاقة الأمريكية–الصينية تتجه نحو مرحلة طويلة من المنافسة المفتوحة تمتد من شرق آسيا إلى الخليج والبحر الأحمر وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. لكن هذه المنافسة تختلف عن الحرب الباردة القديمة، لأن الاقتصادين الأمريكي والصيني ما يزالان مترابطين بصورة عميقة، كما أن جزءاً كبيراً من الاقتصاد العالمي يعتمد على استمرار العلاقة بينهما رغم تصاعد الصراع.
لهذا لا تبدو الحرب المباشرة الشاملة بين الطرفين قريبة في المدى المنظور، لكن العالم يتجه نحو مرحلة يزداد فيها استخدام العقوبات، والضغط على التجارة والطاقة، والصراع على التكنولوجيا، والتنافس على الممرات البحرية، ومحاولات السيطرة على سلاسل التوريد والأسواق العالمية.
في هذا السياق، أصبحت الحرب على إيران واحدة من أبرز الساحات التي تكشف طبيعة التحول الجاري في النظام الدولي، وانتقال الصراع العالمي من مرحلة الهيمنة الأمريكية شبه المنفردة إلى مرحلة تنافس واسع على قيادة الاقتصاد العالمي والطاقة والتكنولوجيا والنفوذ الدولي.
موقع 21 سبتمبر.