استراتيجيات الخطاب الشعري التنموي المقاوم

في قصيدة “التنمية الزراعية” للشاعر/ مسعد المثيل


الجوف نت | مقالات 

بقلم / إبراهيم محمد الهمداني

 
مثلما خاض الشعر غمار الحياة السياسية وتقلباتها، وصاحب ورافق المعارك العسكرية وانتصاراتها، ورصد التحركات الدبلوماسية وتَمَثَلَها، ها هو اليوم يخوض – إلى جانب بقية أجناس الأدب – غمار المعركة الاقتصادية التنموية، الأشد ضراوة ووحشية، في مسارين متوازيين؛ الأول: يعمد إلى كشْف وتعرية القاتل المتخفي (الأمم المتحدة)، الذي يشارك في قتل مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء، من خلال فرض الحصار، وتكريس معادلة (التجويع من أجل التركيع)، وما يقوم به من حرب إبادة جماعية، لا تختلف عن مجازر آلة القتل العسكرية، الناتجة عن قصف الأحياء السكنية والأسواق، والتجمعات المدنية، إن لم تكن أكثر جرماً وقبحاً ووحشية، والثاني: الانتقال إلى خيار التحدي والمواجهة، وتبني نهج البناء والزراعة والتنمية، في سياق خيارات الصمود والمقاومة، وترجمة توجيهات ورؤى القيادتين الثورية والسياسية، واستلهام مبادئها وأسسها واستراتيجياتها، ثم إعادة صياغتها في قوالب أدبية فنية إبداعية (شعرية، سردية، بصرية)، ومن ثم تقديمها إلى المتلقي كمدخلات معرفية (في أبعادها الدينية والثقافية والاجتماعية)، تستثمر كل  الإمكانات والطاقات التعبيرية، لإحداث عملية التأثير والتحفيز والإقناع، بما من شأنه تحويل التنمية إلى ثقافة جمعية، تترجمها السلوكيات والأفعال الفردية والجماعية، المنتظمة في مختلف مجالات التنمية.
ولهذا يمكن القول إن الأدب التنموي – الذي نشهد نضج تجاربه الآن – لم يكن وليد حالة ترف إبداعي، أو محاولة تجريب فضولي، أو عملية اجترار ومحاكاة لنماذج سابقة، مماثلة أو مشابهة شرقية أو غربية، وإنما هو نتاج أدبي إبداعي محلي خالص، جديد في ميدانه، سابق في موضوعاته، شاهد على متغيرات عصره، ومقتضيات وضرورات واقع مجتمعه، بما يؤكد نشأته الطبيعية – في شرطيها الذاتي والموضوعي – وتمخضه عن مقتضيات ورهانات واقعه ومحيطه وبيئته، بالإضافة إلى أوليته اليمنية الخالصة.
وفي هذا السياق يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات إبداعية، في مسار النتاج الشعري، بشكل عام، والشعر التنموي بشكل خاص، هي على النحو التالي:  
المستوى الأول: يمثل حالة الاشتغال على الفكرة، مقابل إهمال الصورة.
المستوى الثاني: يمثل الاشتغال المكثف والمبالغ فيه بالصورة، دون أدنى اهتمام بالفكرة.
الثالث: يعكس صورة تحقيق حالة من التوازن الإبداعي، بين الصورة والفكرة.
ويُعد المستوى الأول، هو أبسط مستويات التعبير الشعري/ الإبداعي، وأول النماذج الشعرية التي تعكس أوليات تشكله، ويتميز ببساطة صوره وتراكيبه، وسلاسة أسلوبه وتعابيره، في صيغته الخطابية المباشرة، وصدق التجربة، وعظمة الدور التوجيهي، وأهمية المحتوى/ الرسالة، ويُعد النص الذي بين أيدينا، أحد نماذج المستوى التعبيري/ الإبداعي الأول – المذكور آنفاً – المتسم ببساطة الصورة والتعبير، وعمق الفكرة وقوة الرسالة، وتلك البساطة لا تعيب النص إطلاقاً، بل تمنحه الكثير من مواضعات القوة وديمومة الحضور، كونه يقدم أصدق تعبير على مرحلته، وأبلغ صورة لأولية التجربة، وجِدَّة الموضوع في راهنيته الزمنية.
يطالعنا عنوان هذه القصيدة “التنمية الزراعية” – في تركيبه الاسمي ودلالته الثابتة – ليضعنا أمام مستوى إبداعي خطابي تقريري، يخدم الفكرة أكثر مما يخدم بلاغة الصورة – المتمخضة عنه – في تموضعه الإبداعي، بوصفه عتبة النص ومعادله الموضوعي، لكنه سرعان ما يعوض ذلك بما يسمى (شعرية الغموض)، المتشكلة من فضاءات الغموض والحيرة والتساؤلات اللانهائية، التي ينتجها التركيب الاسمي، في صيغته الإخبارية/ الخبرية الموصوفة، المؤكدة بمدلولات التخصيص والتحديد، من خلال اسم الإشارة المحذوف/ المبتدأ المحذوف، وتقديره (هذه)، وبالرغم من صراحة الإشارة، ووضوح المشار إليه بالوصف، وتكامل ركني التركيب الوصفي، إلاّ أن سيلاً  من التساؤلات، لن يتوقف عن التدفق، مستفهماً عن: ماذا بشأن “التنمية الزراعية”، ولماذا هي بالذات، وماذا يراد منها؟، وغيرها من التساؤلات الملحة، التي تطرح نفسها بقوة، في فضاءات الاستفهام والغموض، بما يعزز شعرية العنوان، وقدرته على إثارة انتباه المتلقي، وجذب السامعين، لإشباع فضولهم المعرفي، والبحث عن إجابات شافية لتساؤلاتهم، من خلال الانتقال من استراتيجية العنونة، إلى استراتيجية الخطاب الشعري، المتشكلة في بنية النص.
من هدى الله وآياته حرثنا المزارع *** رحبي يا يمن بالتنمية والزراعةْ
نحو ثورة زراعية ضروري نسارع *** ننشره فالتواصل والصحف والإذاعةْ
توعية شاملة في كل منبر وجامع *** قد تراب الوطن صلى صلاة الجماعةْ
يقدم البيت الأول، طبيعة/ صورة وتأصيل المرجعية المعرفية، الخاصة بالتنمية الزراعية، المشار إليها في العنوان، حيث تنطلق من مرجعية دينية مقدسة (من هدى الله وآياته)، في دلالتها المصدرية/ المركزية للفعل (حرثنا)، في تموضعه الإنجازي، المتحقق بضمير الفاعل الجمعي (نا)، والمؤكد بذكر المكان (المزارع)، كمجال/ فضاء مكاني واسع، لاشتغال الذات الجمعية بالحراثة والتنمية الزراعية، القائمة على هدى الله سبحانه وتعالى، وليس وفق تلك المرجعيات الوضعية الشائعة، وبذلك يتجاوز الفعل (حرثنا)، دلالته على الزمن الماضي المنقطع، ليمتد من الماضي إلى الحاضر، ومن الحاضر إلى المستقبل، بوصف الفعل ومرجعيته، استراتيجية تنموية زراعية متكاملة الأنساق، حيث امتزج العقائدي المقدس (هدى الله وآياته)، بالنشاط الزراعي الاقتصادي المُمارس، على نطاق جمعي (حرثنا)، ليتحول فعل الزراعة إلى طقس تعبدي، يمارسه المجتمع المؤمن في مجموعه، ويؤديه بشغف وحب وإقبال وسعادة، وهو ما تؤكده دلالة الفعل (رّحبي) في الشطر الثاني، الناصَّة على ديمومة القيام بفعل الترحاب، الذي لا يكون إلا لضيف عزيز، أو من هو في مقامه.
ويحضر التوجه (نحو ثورة زراعية)، ليرسم طبيعة الاستراتيجية الاقتصادية، في فعلها الثوري، وما يحمله من مدلولات الانطلاق الجمعي الكاسح، ضمن استراتيجية الفعل الإعلامي، بقوة إنجازه وانتشاره في مختلف وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي، لينتج عن ذلك استراتيجية ثالثة، هي استراتيجية بناء الوعي التنموي الشامل (توعية شاملة)، بما يوازي طبيعة الصورة الشعرية، المُؤَكَدة بتحقق الفعل الطقوسي المقدس (صلى)، وتخصيص الفاعل المؤنسن (تراب الوطن)، في مجموع الصورة الكلية، (قد تراب الوطن صلى صلاة الجماعة)، الذي تجاوز إيهام فرديته (تراب)، إلى حقيقة تموضعه الجمعي الشامل كل أرجاء (الوطن) أرضاً وإنساناً، متوجا بقداسة الفعل (صلى)، ومؤكداً بالوصف (صلاة الجماعة)، الأمر الذي يعكس تنامي شعرية الصورة، بداية من دلالات الصورة الحركية، في فعل الحراثة (حرثنا)، وفعل الترجيب الجمعي (رحبي يا يمن)، ثم مدلولات الفعل الثوري المتجه (نحو ثورة زراعية)، حركياً وإعلامياً وثقافيا، في شمولية حركة الفعل والاتصال والوعي، وصولاً إلى أيقونية الفعل (صلى) ورمزية الفاعل (تراب الوطن)، في سياق سيميائية الصورة الشعرية وتحولاتها، من سياق الفعل المألوف، كنشاط اجتماعي اقتصادي، عرفته المجتمعات البشرية، منذ بدايات استقرارها الأولى، إلى سياق الصلاة/ الفعل التعبيري، حيث تنسحب قداسة الفعل (الصلاة)، إلى الفاعل (تراب الوطن) القائم بفعل الصلاة، وهنا يبلغ الخطاب الشعري ذروة شعريته التصويرية.
حاجة المجتمع تحتاج غيره ودافع *** لانتشال المواطن من قيود المجاعةْ
في خطى الاكتفا دارت تروس المصانع *** خط الانتاج يرفع مخرجات الصناعةْ
به شعار اقتصادي قد دعانا نقاطع *** قبلما المنتج الغربي يتم انقطاعهْ
التحرك بحكمة في جميع المواقع *** أمر مطلوب والموضوع يشتي قناعةْ
نفهم أن اليمن ممتد الأطراف واسع *** لجل يبقى تحركنا بحجم اتساعهْ
يعود الخطاب الشعري إلى تموضعه الإنشادي المباشر، بهدف تحقيق أعلى مستويات الإقناع والاحتجاج، من خلال استغلال معطيات الواقع مثل (حاجة المجتمع)، وضرورة انتشاله (من قيود المجاعة)، ولن يتحقق ذلك إلا بالسير على (خطى الاكتفاء) الذاتي، التي تصورها (تروس المصانع) في دورانها، للوصول إلى خطوط إنتاج، ترفع (مخرجات الصناعة)، وعلاوة على ما تحفل به الصورة الشعرية، من دينامية حركية، تشد ذهن المتلقي إلى طبيعة الواقع المعيش بكل تفاصيله، بما يخلق لديه حالة متقدمة من الوعي التنموي، المشبع بالتحفز الدائم والاندفاع المتواصل، لتبني ذلك المسار التنموي، كواجب ديني وأخلاقي وإنساني، ومسؤولية فردية في  السياق الجمعي المتصل، وعلاوة على تلك الشعرية المكثفة، المحتشدة بالمشاهد التصويرية ودلالاتها المتنامية، تبرز الكثير من المفاهيم والمصطلحات التنموية الاقتصادية مثل: “المجاعة، الاكتفاء الذاتي، تروس المصانع، خط الإنتاج، مخرجات الصناعة، المقاطعة، المنتج الغربي،…..إلخ”، وهي مفاهيم ومصطلحات لا علاقة لها بالشعر والأدب، غير أن توظيفها في هذا النص، قد منحها مستوى عال من الشعرية، وعمل  على توطينها في السياق الإبداعي، المرتكز على الخيال في عملية إعادة صياغة الواقع، وإعادة إنتاجه كما ينبغي أن يكون، بعيداً عن مواصفاته ومعطياته الجافة الحادة، وبذلك يمكن القول إن توظيف المفاهيم التنموية المذكورة سلفاً، لم يكن اعتباطا أو حشواً، وإنما كان توظيفاً محكماً وموفقاً، سواء على المستوى الشعري/ سياق الخطاب الشعري، أو على المستوى المعرفي/ سياق التلقي وإعادة الإنتاج، بما ينم عن مستوى متقدم من الوعي والفهم والاستيعاب، لتلك المفاهيم التنموية وإعادة إنتاجها في بنية الخطاب الشعري، وهوما يجعلنا نعلن بكل ثقة، عن تكامل تشكيل النص الشعري التنموي – في سياق الأدب التنموي – في أبهى صوره وتجلياته، ومظاهر كماله
  واكتماله، فلسفياً ومعرفياً وإبداعياً، انطلاقاً من قوة حضور شرطيه، الضامنان لتحقيقه ونجاحه؛ على مستوى الشرط الموضوعي، بوصفه فعل الضرورة الذي فرضته معطيات الواقع ومتغيراته، وعلى مستوى الشرط الذاتي، المتمثل في رغبة الذات تجاوز أنساق التعبير المألوفة السائدة، إلى نسق تعبيري يلبي متغيرات الحاضر، وتطلعات المستقبل، ويستوعب ويواكب مسار  التحولات الحياتية الشاملة.
شعبنا الحر سابع عام صامد يصارع *** بس باقي رهينة تحت سعر البضاعةْ
والعدو يستغل الوضع حاقد وطامع *** بالحصار الممنهج ظل فارد ذراعهْ
ما نبالي بحلف أرعن ولا بند سابع *** لانطلقنا مع القرآن ساعة بساعةْ
التكاتف سلاح المجتمع لا تراجع *** عن مسار البناء والتنمية يا جماعةْ
يد على جبهة العز اليماني تدافع *** واليد الثانية تسند وتدعم دفاعهْ
نبني المجتمع بالهدي والأمر واقع *** صف واحد نلم الشمل نحو اجتماعهْ
تلعب شعرية المفارقة دوراً بارزاً، في تشكيل بنية الصورة الشعرية، حيث يبرز التناقض الحاد، بين صورة الشعب الحر، في تموضعه المقاوم (صامد يصارع)، على مدار سبعة أعوام – وهي اليوم أكثر من عشرة أعوام – وفي المقابل مازال هذا الشعب (رهينة تحت سعر البضاعة)، مكبل بقيود التبعية الاقتصادية لأعدائه، وهو ما لا يليق بشعب هذا مقامه وهذا موقفه، نظراً لما لذلك من آثار سلبية على معادلة المقاومة والصمود، كون ذلك العدو (يستغل الوضع) الاقتصادي المتردي في اليمن، فيمعن في ممارسة (الحصار الممنهج)، مستخدماً ورقة الاقتصاد في الضغط على أبناء الشعب اليمني، محاولاً من خلال  تجويعهم، الوصول إلى تركيعهم، حيث يحضر في صورته التجريدية، فارداً ذراعه متبجحاً بتوحشه وطغيانه ودمويته، وهنا يبرز المتكلم بضمير (الأنا)، ليضع آفاق الحل الأمثل في سبيل المواجهة، (ما نبالي بحلف أرعن ولا بند سابع)، فمثلما اتخذ العدوان علينا صورة التحالف العالمي، فنحن يجب أن نتوحد، ولن يخيفنا تظاهر وتحالف قوى العدوان علينا، ولن يضرنا أن وضعونا تحت (البند السابع)، من قانون العقوبات الدولية الجائر، وسننتصر على كل ذلك، إذا (انطلقنا مع القرآن) في معية تلازمية، تزيد من قوة تماسكها واتحادها، جمالية التعبير والصورة الموصوفة بـ (ساعة بساعة)، دلالة على مزيد من التلازم الدائم والالتحام المستمر، بين الإنسان/ القوة البشرية، والنهج الإلهي القويم/ القرآن الكريم، واتباع أعلام الهدى وأئمة الحق المبين، كون (التكاتف سلاح المجتمع) في صورة توحيد الجهود، والعمل بروح الفريق الواحد، وتكريس الاتحاد والتكاتف والتعاون الجمعي، بوصفه مسؤولية دينية خالصة، والتحرك وفقاً لذلك المفهوم، هو ضمان نجاح (مسار البناء والتنمية)، وتأتي صيغة النداء (يا جماعة)، دلالة على عمق العلاقة وحميميتها، وصدق الانتماء إلى الجماعة، التي تبرز بوصفها كيانا مقدساً، يمنح منتسبيه – ويضمن لهم – كافة الحقوق والحريات، وهناك الكثير من الأمثال الشعبية، التي عكست هذا الجانب بجلاء.
(يد على جبهة العز اليماني تدافع ….  واليد الثانية تسند وتدعم دفاعه)
تتجلى هنا طبيعة المدخلات المعرفية التنموية، في مرجعيتها القرآنية، التي طرحها الشهيد القائد رضوان الله عليه، والسيد القائد يحفظه الله، ومرجعيتها السياسية، التي أعلن عنها الشهيد الرئيس صالح الصماد – رضوان الله عليه – وترجمتها وتبنتها القيادة السياسية الحكيمة، برئاسة رئيس المجلس السياسي الأعلى، فخامة المشير مهدي محمد المشاط، في مشروع الرؤية الوطنية، وفي الجانب الآخر، تتجلى طبيعة تلك المخرجات الثقافية، التي ترجمت المعرفة التنموية إلى ثقافة عامة وسلوكيات، جعلت من الفكر التنموي ثقافة جمعية عامة، كاملة الأركان، متكاملة الاستراتيجيات، مضمونة النجاح.
نزرع البن في الحيمة وصعدة وسارع *** والذرة في بلاد آنس وريمة ولاعةْ
والخبوت الوساع الكل نازل وطالع *** نهم والجوف لا جارف جباله وقاعهْ
يحتشد المبنى الشعري بصور متواترة ومتشابكة، في توظيف إبداعي مذهل، تتجلى فيه الصورة الشعرية بكل أبعادها وتفاصيلها، حيث يبرز(البن) في مركز الصورة المشهدية، في حركية الفعل المضارع (نزرع)، الممتد من الآن الحاضر إلى المستقبل، التي يصاحبها تعدد المكان (الحيمة وصعدة وسارع)، المخصوص بزراعة ذلك المحصول، الذي يتجاوز قيمته النقدية، إلى كونه يعبر عن هوية الإنسان اليمني، وتاريخه الحضاري المرتبط بهذه الشجرة منذ القدم، كما يحضر محصول (الذرة) في مركز الصورة المشهدية الثانية، بوصفه أهم المحاصيل الزراعية، وما يحتويه من قيمة غذائية كبيرة، وما يمثله من أهمية وحضور، في حياة المزارع اليمني قديماً وحديثاً، وتتعدد أماكن زراعتها ما بين (آنس وريمة ولاعة)، في تنوع مكاني كبير، (الخبوت الوساع، نهم، الجوف، جارف، الجبال، القيعان)، يوحي بالتنوع البيئي والمناخي، بين الجبال والسهول والأودية، بما يعكس صورة التنوع الزراعي، ووفرة المحاصيل الزراعية في الأرض اليمنية المباركة.

الفرص ممكنة ثاني وثالث ورابع *** لكن البعض عنده للتفهم مناعة
واجب الآن نتحرك بنيه ووازع *** دورنا نحو هذا الجيل حفظ الوداعة
ختمها بالنبي والآل يا كل سامع *** من يصلي على المختار نال الشفاعة
يعكس الخطاب الشعري – هنا – حالة متقدمة من الوعي التنموي، الذي اعتنق مبدأ تحويل التحديات إلى فرص، كشعار ومنهج حياة، ليصبح أساساً تنموياً أصيلاً، تزيد من قوة حضوره وتوهجه، شعرية التكرار (ثاني وثالث ورابع…)، ذات النهاية المفتوحة، على عدد تكرار المحاولات، وتكرار العمليات والمشاريع التنموية، واستمراريتها وديناميتها المفتوحة على الزمن، رغم وجود ذلك البعض الذي (عنده للتفهم مناعة)، ويعاني من صعوبة أو قصور الفهم، لكن ذلك العائق الطارئ، لن يحول دون انطلاق واستمرار وتصاعد العملية التنموية، التي تدعمها الصور الشعرية، في البيت التالي، حيث تتغلب شعرية صورة التحرك الجمعي (نتحرك الآن)، في آنيته الراهنة، انطلاقاً من الواجب الديني والوطني والإنساني، المترافق بالنية الخالصة لوجه الله تعالى، والوازع الديني والضمير، واستشعار رقابة الله والمسؤولية أمامه، وحضوره في كل قول أو فعل، كون ذلك هو الدور الأساسي، المنوط بجميع أبناء الشعب اليمني، لتحقيق الصمود والانتصار الكبير، وبذلك يصبح الفعل التنموي في سيرورة تحولاته الفكرية والثقافية، ومسيرة ومراحل تحققه وإنجازه، هو الأمانة المحفوظة المتناقلة بين الأجيال، وبهذه القراءة المختصرة، نضع بين يدي القارئ نصاً شعرياً تنموياً إبداعياً بامتياز، استطاع تحقيق حضوره وصناعة شعريته الخاصة، في عوالم الأدب والإبداع، من خلال مغايرته وجدّته، وتميزه في توظيف مفاهيمه ومصطلحاته، وتصوير استراتيجيات الفعل التنموي، متوازية ومتماثلة مع استراتيجيات الخطاب الشعري، ليشكل بذلك الحضور – مع نظائره من النصوص – المداميك الأولى، في مسيرة ظاهرة الأدب التنموي، على المستوى الإقليمي والعالمي.