فخ الكراهية ومن المستفيد من كره إيران؟


مقالات – عبدالملك العتاكي

هذا هو الواقع والحاصل؛ إذ يجد الإنسان نفسَه اليوم تائهًا في غابة من المشاعر الموجَّهة والمصنوعة بعناية في غرف العمليات النفسية.

إن الكراهية ليست مُجَـرّد “شعور” عابر، بل هي وقودٌ يُحقن في شرايين الشعوب ليُحولها إلى أدوات هدم وتخريب.

وحين نتأمل مشهدنا المعاصر، نجد أن هذه النيران وُجهت، وبشكل ممنهج، نحو صدور الجيران والإخوة، بينما يبتسم العدوّ الحقيقي في الظلال.

الكراهية الخطر السام على البلدان

إن أخطر ما في الكراهية أنها تُعمِي البصيرة قبل البصر.

نحن نعيش في زمن أصبحت فيه كراهية “الآخر” القريب أسهل بكثير من مواجهة “الآخر” الغريب الذي يستهدف وجودنا جميعًا.

لقد تم استدراج العقل العربي والإسلامي إلى فخٍّ نُصب بدهاء، وهو فخ العداء لإيران؛ تلك الدولة التي لم تختر الحرب عبثًا، بل فُرضت عليها فرضًا منذ لحظة ثورتها الأولى، حين أبت أن تكون تابعًا للمنظومة الغربية.

لقد جُرّت إيران إلى صراعات لم تكن هي من أشعلت فتيلها الأول، بل كانت ردة فعل دفاعية أمام حصارٍ خانق ومحاولات دؤوبة لتركيعها.

ومع ذلك، نجد من بيننا من يصب جامَ غضبه على طهران، متناسيًا أن الخطر الوجودي، الذي حذر الله منه والتاريخ المرير، يكمن في مكان آخر تمامًا.

بُوصلة العداء

من العجيب أن نرى سهامَ النقد والعداء تتوجّـه نحو بلد يرفع شعارَ المقاومة، بينما نغض الطرف عن “اليهود والنصارى” الذين لم يفتأوا يومًا عن التخطيط لتمزيق منطقتنا.

إن القرآن الكريم كان واضحًا في تشخيصه حين قال: “وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ”.

هذا ليس خطابًا للكراهية؛ مِن أجلِ الكراهية، بل هو تنبيهٌ استراتيجي لهُوية العدوّ الذي لن يرضى بأقل من ذوباننا الكامل وضياع سيادتنا.

لماذا نستبدل عدوًّا وجوديًّا غاصبًا للأرض ومنتهكًا للمقدسات، بخصمٍ إقليمي نشترك معه في التاريخ، والجغرافيا، والقبلة؟

إن تحويل إيران إلى عدوا هو أكبر انتصار حقّقته الصهيونية العالمية دون أن تطلق رصاصة واحدة.

إنهم يريدوننا أن نأكل بعضنا بعضًا، لنبقى نحن وهم في حالة ضعف مستديم، بينما هم يبنون مستوطناتهم فوق جراحنا.

حتمية التعافي والوعي

التعافي يبدأ حين نكبح جماح هذا الشر الداخلي الذي يغذي الطائفية ويشعل نيران البغضاء بين أبناء القبلة الواحدة.

إن العداء لليهود والنصارى هو عداءٌ مبني على حق استرداد الأرض والكرامة، أما العداء لإيران فهو انتحار استراتيجي لا يخدم إلا كَيان الاحتلال وأمريكا.

باختصار إن الإنسان لن يستعيدَ حقه في الحياة والأمان طالما أن بوصلته معطلة.

علينا أن نفهمَ أن الحرب على إيران لم تكن يومًا لأنها “شريرة”، بل لأنها رفضت أن تكون “مستسلمة”.

وَإذَا أردنا حقًّا أن تنطفئ نيران الكراهية، فعلينا أن نوجه غضبنا نحو من يسرق هُويتنا ويحتل أقصانا، لا نحو من يمد يدَه للمقاومة رغم كُـلّ الصعاب.