عندما تصبح القهوة عبئاً لا متعة: كيف يغيّر العمر علاقتنا بالكافيين؟
لم يعد كوب القهوة بالنسبة لكثيرين ذلك الرفيق الصباحي الآمن الذي يمنح النشاط والبهجة، بل تحوّل مع التقدم في السن إلى مصدر قلق وتوتر غير متوقع. فعدد متزايد من الأشخاص يلاحظون أن ما كان يُحتمل سابقاً من عدة أكواب يومياً، أصبح اليوم كافياً لإثارة خفقان القلب واضطراب المزاج وحتى الأرق بعد فنجان واحد فقط. هذه التجربة، التي قد تبدو شخصية أو عابرة، لها في الواقع تفسير علمي يرتبط بتغيرات الجسم مع العمر، وبطريقة استقلابه للكافيين.
يوضح خبراء التغذية أن الكافيين يُمتص بسرعة في الجسم، ويبلغ ذروته في الدم خلال أقل من ساعة، لكن التخلص منه يعتمد على عوامل متعددة، أبرزها نشاط إنزيمات الكبد المسؤولة عن تفكيكه. ومع التقدم في العمر، يبطؤ الأيض تدريجياً، وتصبح هذه الإنزيمات أقل فاعلية، ما يعني بقاء الكافيين في الجسم لفترة أطول وتأثيره بصورة أقوى. ولهذا السبب قد يؤدي فنجان قهوة في فترة ما بعد الظهر إلى اضطراب النوم لساعات طويلة، حتى وإن بدا الأمر غير منطقي مقارنة بسنوات سابقة.
ولا يقتصر الأمر على العمر وحده، فالعوامل الوراثية تلعب دوراً مهماً أيضاً. فبعض الأشخاص يمتلكون تركيبة جينية تجعلهم “سريعي الأيض” للكافيين، فيستطيعون شرب عدة أكواب من دون آثار واضحة، بينما يعاني آخرون من حساسية مرتفعة حتى عند كميات صغيرة. وتزداد هذه الحساسية لدى النساء خلال فترات التغيرات الهرمونية، مثل ما قبل انقطاع الطمث أو عند استخدام موانع الحمل الفموية، إذ يمكن لهرمون الإستروجين أن يبطئ عملية التخلص من الكافيين ويضاعف تأثيره.
الدراسات الحديثة تشير إلى أن زيادة الحساسية للكافيين تظهر بوضوح أكبر بعد سن الأربعين، وتصبح أكثر وضوحاً لدى كبار السن، حيث يستغرق الجسم وقتاً أطول بكثير لمعالجة المادة المنبهة. وتتمثل النتائج في أعراض شائعة مثل القلق، والانفعال، وصعوبة النوم، والشعور بفرط النشاط غير المريح، وهي أعراض تدفع كثيرين إلى التساؤل عمّا إذا كان بالإمكان “إعادة تدريب” الجسم على تحمل القهوة كما في السابق.
الإجابة العلمية ليست مشجعة كثيراً، فهذه التغيرات غالباً ما تكون مرتبطة بالعمر والوراثة ولا يمكن عكسها بالكامل. ومع ذلك، يمكن التخفيف من حدتها عبر تقليل الاستهلاك تدريجياً، وتجنب القهوة في ساعات ما بعد الظهر، والحرص على شرب الماء وتناول وجبات متوازنة قبل القهوة لتثبيت مستوى السكر في الدم. كما يلجأ بعض محبي القهوة إلى بدائل مثل القهوة منزوعة الكافيين أو مشروبات مصنوعة من الهندباء، التي تمنح الإحساس بطقس القهوة من دون آثارها المزعجة.
في النهاية، قد يكون تقبّل هذا التغير جزءاً من النضج الصحي، حتى وإن بدا التخلي عن عادة قديمة أمراً غير محبب. فالعلاقة مع القهوة، مثل كثير من عاداتنا، تتبدل مع الزمن، وما كان مصدراً للمتعة الخالصة قد يحتاج إلى إعادة نظر حفاظاً على راحة الجسد وصفاء الذهن.