من دم الشهادة إلى استراتيجية المواجهة.. قراءة في كلمة السيد القائد بذكرى شهيد القرآن
من دم الشهادة إلى استراتيجية المواجهة.. قراءة في كلمة السيد القائد بذكرى شهيد القرآن
في الذكرى السنوية لشهيد القرآن، تعود الكلمة لتكون موقفًا، ويعود الخطاب ليكون مشروعًا، وتعود الذاكرة لتؤكد أن الدم الذي سُفك في سبيل الله لم يكن خاتمة مسار، بل كان بداية نهضة ومسار انتصار.. في هذه المناسبة، جاءت كلمة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي لتعيد تثبيت البوصلة القرآنية للأمة، وتضع الذكرى في سياقها الحقيقي: مقام نصرٍ إلهي، ومحطة وعي، ومنصة مسؤولية في مرحلة هي من أخطر مراحل الصراع على هوية الأمة ومستقبلها.
ذكرى النصر.. لا ذكرى الفقد
أكد السيد القائد أن ذكرى شهيد القرآن ليست مناسبة حزنٍ تقليدي، بل مقام نصر حققه الله سبحانه وتعالى، تجلّى في بقاء المشروع القرآني حيًا، متجذرًا، متناميًا، رغم كل محاولات الاستئصال التي قادها الأعداء بالقتل والحصار والحروب والتضليل. وأوضح أن إحياء هذه الذكرى شعبيًا ورسميًا، وبحجمها الجماهيري الواسع، يعكس حقيقة واحدة: أن الدم انتصر على السيف، وأن الشهادة رسّخت مشروعًا بدل أن تطويه.
مشروع واجه الاستضعاف فصنع التحول
استعاد السيد القائد ظروف انطلاقة شهيد القرآن في مرحلة كانت الأمة فيها في ذروة الضعف والهزيمة، والأنظمة العربية في حالة ارتهان كامل للمشاريع الأمريكية والغربية تحت عناوين مضللة كـ“مكافحة الإرهاب”.. في تلك اللحظة التي ساد فيها الصمت والخضوع، كان صوت الشهيد مختلفًا: صوت القرآن، صوت الحق، صوت المسؤولية، الذي واجه الهجمة الصهيونية الغربية في وقتٍ كانت فيه المنطقة مفتوحة على مصراعيها للاختراق والهيمنة.
وأكد أن الأعداء الذين راهنوا على اغتيال المشروع باغتيال صاحبه فشلوا، وأن الشهادة تحولت إلى عنوان قداسةٍ وامتدادٍ تاريخي لمسيرة الشهداء في المشروع القرآني، ورسالة متجددة بأن الدم المظلوم يصنع وعيًا ويؤسس لنهضة.
الثقة بالله.. مفتاح التحول التاريخي
في قلب المعالم الشخصية لشهيد القرآن، وضع السيد القائد عنوانًا محوريًا: الثقة بالله.. وأوضح أن أزمة الأمة الحقيقية ليست في قلة الإمكانات، بل في ضعف الثقة بالوعد الإلهي، وأن شهيد القرآن جعل من هذه الأزمة أولوية في تشخيص واقع الأمة.
تحرك الشهيد من نقطة الصفر، بلا سندٍ عسكري ولا إمكانات مادية، لكن بثقةٍ واعية بأن القرآن يحمل الهداية الكاملة، وبأن وعد الله بالنصر ليس شعارًا، بل حقيقة تاريخية لمن يحمل مسؤولية العمل في سبيلها.. وفي المقابل، فإن حالة الإحجام والتراجع التي أصابت قطاعات واسعة من الأمة كانت نتيجة مباشرة لضعف الإيمان بالوعد الإلهي، والانفصال عن منهج الله في مواجهة التحديات.
المسؤولية المقدسة في مواجهة الطغيان
شدّد السيد القائد على أن الصراع بين الحق والباطل صراع مسؤوليات قبل أن يكون صراع مواقع.. فالقرآن يحيي في الأمة روح الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي مسؤوليات مقدسة لا تقبل التفريط.. وحذّر من خطورة ترك الساحة للطغاة والمفسدين، لأن سيطرتهم لا تعني فقط احتلال الأرض، بل مصادرة الحرية، وتشويه الهوية، وإفساد القيم.
وأكد أن ما تواجهه الأمة اليوم ليس استثناءً تاريخيًا، بل امتداد لمعركة قديمة بين خط الأنبياء وخط الطغيان، وأن الاستغراب من حجم التحديات لا يغيّر من الحقيقة شيئًا: الأمة مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن تحمل مسؤوليتها كاملة.
الوعي والبصيرة.. سلاح المرحلة
من أبرز ما ركّز عليه السيد القائد: البصيرة القرآنية بوصفها السلاح الأول في مواجهة أضخم حملة تضليل عرفها التاريخ.. فالأعداء يملكون اليوم إمكانات هائلة في الإعلام والتثقيف الموجّه وصناعة الرواية، فيما تعاني الأمة من حالة تيه وفراغ معرفي نتيجة الابتعاد عن القرآن.
وأوضح أن البدائل الفكرية الهشة لا تصنع وعيًا ولا تمنح نورًا، بينما القرآن وحده يجلي الظلمات ويحصّن الأمة بالبصيرة، وهو ما تجلّى بوضوح في دروس ومحاضرات شهيد القرآن التي بقيت صالحة لكل زمان، وكأنها كُتبت لواقعنا الراهن بما يحمله من تعقيدات وتحديات.
الأمة المستهدفة.. والمشروع الصهيوني المكشوف
وضع السيد القائد الذكرى في قلب الصراع الاستراتيجي الدائر اليوم، مؤكدًا أن الأمة تواجه مشروعًا صهيونيًا متكامل الأهداف، بعناوين واضحة مثل “إسرائيل الكبرى” و“تغيير الشرق الأوسط”، تقوده قوى دولية كبرى في مقدمتها أمريكا و”إسرائيل” وبريطانيا، وتشارك فيه أنظمة وقوى إقليمية عبر الأدوار العسكرية والإعلامية والاقتصادية.
وبيّن أن أخطر ما واجهته الأمة هو غياب المشروع المقابل، لأن أمة بلا مشروع تصبح مادة سهلة للاحتواء في مشاريع الأعداء، أو للاستهلاك في مشاريع فاشلة لا تصنع حصانة ولا تحقق استقلالًا.
المشروع القرآني.. أصالة البديل وقوة الموقف
في مواجهة هذا الواقع، قدّم السيد القائد المشروع القرآني بوصفه البديل الأصيل، المرتبط بهوية الأمة وثقافتها، لا مشروعًا مستوردًا ولا فكرةً عابرة.. مشروع يتميز بالأصالة، والصفاء بين العنوان والمضمون، والقوة في الحجة والبرهان، والواقعية القابلة للتطبيق.
وأكد أن تجارب العقود الماضية أثبتت فشل المشاريع المستوردة التي كلّفت الأمة أثمانًا باهظة ثم تلاشت بلا أثر، فيما أثبت المشروع القرآني قدرته على تحويل المستضعفين إلى فاعلين، وبناء حالة وعي وموقف وجهاد تتواكب مع المتغيرات ولا تتقادم.
فلسطين مركز الصراع.. وانكشاف العدو
وفي قلب المشهد، توقّف السيد القائد عند الانكشاف غير المسبوق للعدو الأمريكي والإسرائيلي منذ العدوان على غزة، حيث تكشفت الأهداف الحقيقية للمشروع الصهيوني في الإبادة والهيمنة وتغيير هوية المنطقة.. وأكد أن جرائم الاحتلال اليومية في غزة والضفة والقدس والمسجدين الأقصى والإبراهيمي لا يجوز أن تتحول إلى مشاهد اعتيادية، لأن الاعتياد على الجريمة موت للضمير وخطر على الأمة.
وشدّد على أن الحديث عن اتفاقيات أو عناوين “سلام” لا يلغي حقيقة واحدة: الاحتلال قائم، والعدوان مستمر، والخطر الصهيوني متجدد.
إيران والصومال.. ميادين في معركة واحدة
وتناول السيد القائد محاولات الاستهداف الأمريكي الإسرائيلي لإيران عبر الأزمات والعقوبات والتحريض، مؤكدًا أن وعي الشعب الإيراني أفشل هذه المخططات، وأن الموقف الشعبي المليوني عبّر عن هوية راسخة لا تقبل الخضوع.
كما حذّر من التحركات الإسرائيلية في منطقة القرن الإفريقي، ولا سيما في الصومال، لما تمثله من تهديد مباشر للأمن الإقليمي ولممرات الملاحة في باب المندب وخليج عدن، مؤكدًا جدية الموقف اليمني في رصد هذه التحركات والاستعداد للتعامل معها بما يحفظ أمن المنطقة وسيادتها
اليمن في قلب المواجهة.. استعداد لجولة حتمية
وفي ختام المحور الميداني، شدّد السيد القائد على أن اليمن يتحرك اليوم بعنوان واضح: الاستعداد للجولة القادمة، لأن الصراع مع العدو الإسرائيلي والأمريكي حتمي، سواء بشكل مباشر أو عبر الأدوات الإقليمية.
وأشاد بحالة التعبئة العامة في الدورات العسكرية، والوقفات القبلية، والأنشطة الثقافية والتوعوية، معتبرًا أن هذا الحراك الشامل يعكس ارتباطًا واعيًا بالقرآن، وثقة بالله، واستعدادًا لتحمّل المسؤولية في زمن تتعرّى فيه مشاريع الطغيان والاستكبار عالميًا.
رؤية استراتيجية متكاملة
هكذا جاءت كلمة السيد القائد في ذكرى شهيد القرآن: ليست خطاب مناسبة، بل وثيقة موقف، وبرنامج عمل، وخارطة طريق.. أكدت أن المشروع القرآني لم يكن رد فعل، بل رؤية استراتيجية متكاملة لمواجهة مشروع الهيمنة، وأن دم الشهيد لم يذهب سدى، بل صنع أمة تعرف اليوم أكثر من أي وقت مضى أن معركتها مع الطغيان ليست خيارًا، بل قدر ومسؤولية، وأن النصر يبدأ من القرآن.. وينتهي بالتحرر الكامل من كل أشكال الاستعباد.
موقع 21 سبتمبر.