أمريكا الفاشلة في الحرب تعوّض بقناع “إنساني” مزيف
أمريكا الفاشلة في الحرب تعوّض بقناع "إنساني" مزيف
بقلم. شاهر أحمد عمير
ينكشف التخبُّط في الاستراتيجية الأمريكية بالمنطقة بأوضح صوره في تلك المغامرة الجديدة التي يقودها الرئيس الأمريكي ترامب نحو مضيق هرمز؛ فخلف ستار كثيف من الشعارات “الإنسانية” المضللة، تندفع الأساطيل والبوارج في تحَرّك لا يمكن قراءته إلا كونه تعبيرًا عن حالة من الارتباك الجيوسياسي والتعثر الذي بات يطبع تحَرّكات واشنطن الراهنة.
إن القراءة المتأنية للسياقات المحيطة بدفع البوارج الحربية نحو هذا الممر المائي الحساس تكشف عن فجوة هائلة بين الشعارات المرفوعة والحقائق على الأرض، حَيثُ تؤكّـد التقارير والترجيحات الصادرة من داخل مراكز صنع القرار في أمريكا نفسها أن هذه العملية ولدت ميتة، وأن مآلها الفشل المحتوم نتيجة غياب الرؤية الواضحة وتصاعد حدة الرفض الإقليمي والدولي لهذا الوجود العسكري المستفز.
محاولة تغليف تحَرّك الأساطيل الحربية بغطاء “إنساني” تمثل استخفافًا بالعقل الجمعي العالمي، وتثير تساؤلات مشروعة حول المعايير الأخلاقية المزدوجة التي تتبناها الإدارة الأمريكية.
فمتى كانت واشنطن، عبر تاريخها الطويل من التدخلات العسكرية، تضع الاعتباراتِ الإنسانية فوق مصالحها الضيقة؟
الشاهد الحي والدموي على زيف هذه الادِّعاءات يتجسد في حرب الإبادة الجماعية التي يتعرض لها قطاع غزة ولبنان واليمن، حَيثُ لم تكتفِ أمريكا بالصمت.
كانت ولا تزال شريكًا فعليًّا وكاملًا للاحتلال الإسرائيلي في الاستيلاء على قطاع غزة وجنوب لبنان وتمهيد الطريق لتمزيق ما تبقى من جراح المنطقة.
فأين كانت “الإنسانية الأمريكية” وحشود بوارجها حينما كان الأطفال والنساء يبادون بأسلحتها وصواريخها في غزة؟
وأين كانت تلك الإنسانية المزعومة حين كان العدوان السعوديّ والإماراتي يقصفُ الشعب اليمني على مدى عشر سنوات؟
وكيف يستقيم الحديث عن الإغاثة في هرمز بينما تواصل واشنطن دعمَها المطلق لسياسات التجويع والتهجير القسري في فلسطين؟
هذا التناقض الصارخ لا يتوقف عند حدود غزة، بقدر ما يمتد ليشمل العدوان الإجرامي الأخير على إيران ولبنان واليمن، وهو العدوان الذي لم يجد له غطاءً قانونيًّا حتى لدى أقرب حلفاء واشنطن في أُورُوبا، الذين أقروا صراحة بعدم شرعيته ومخالفته الصارخة للقانون الدولي.
إن ممارسات القتل التي طالت الطفلات في بيوتهن والطلاب في مدارسهم تسقط ورقة التوت الأخيرة عن عورة “الإنسانية الأمريكية” المزعومة، فمن يمتهن كرامة الإنسان وحقه في الحياة في بيروت وطهران وغزة وصنعاء، لا يمتلك الحق الأخلاقي ولا السياسي في ادِّعاء حمايته في مضيق هرمز، مما يؤكّـد أن
الغرض الحقيقي من العملية ليس نجدة إنسان أَو تأمين ممر، وإنما هو البحث المحموم عن “نصر وهمي” يعيد ترميم صورة الهيبة الأمريكية المتآكلة.
وفي ظل التخبط، تبدو العملية في هرمز كهروب إلى الأمام من أزمات داخلية وضغوط دولية متزايدة، ومحاولة لصناعة “إنجاز استعراضي” يتم تصديره للداخل الأمريكي كنجاح دبلوماسي وعسكري، إلا أن الواقع يشير إلى أن هذه البوارج، رغم ضخامتها، تعكس حالةً من العجز عن مواجهة الحقائق السياسية الجديدة في المنطقة، حَيثُ لم تعد القوة الخشنة قادرةً على فرض إرادتها في ظل توازن قوى جديد ورفض شعبي واسع للسياسات الاستعلائية.
ويبدو الفشلُ الذي يتوقعه المحللون الأمريكيون أنفسهم ينبعُ من إدراكهم أن العملية تفتقر للشرعية الأخلاقية والقبول الإقليمي، وأنها مُجَـرّد استعراض عسكري في توقيت خاطئ ومكان غير مناسب، سيؤدي في نهاية المطاف إلى مزيد من العُزلة لواشنطن وتعميق حالة عدم الاستقرار في واحد من أهم الممرات الملاحية في العالم، ليظل المشهد في هرمز شاهدًا جديدًا على سقوط الأقنعة الإنسانية أمام رغبات التوسع والسيطرة.