في مستهل محاضرات رمضان.. السيد القائد يضع خارطة استعادة الهوية الإيمانية ومواجهة التضليل والحرب الناعمة

في مستهل محاضرات رمضان.. السيد القائد يضع خارطة استعادة الهوية الإيمانية ومواجهة التضليل والحرب الناعمة


في مستهل محاضراته الرمضانية للعام 1447هـ، وضع السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي شهر رمضان في إطاره الحقيقي: ليس موسماً تعبدياً عابراً، بل محطة استراتيجية لإعادة بناء الإنسان، وتصحيح مسار الأمة، واستعادة هويتها الإيمانية في مواجهة حرب ناعمة تستهدف وعيها وقيمها وارتباطها بالله.

المحاضرة الأولى لم تكن خطاباً وعظياً تقليدياً، بل قراءة قرآنية تحليلية لواقع الأمة، وتشخيصاً دقيقاً لاختلالاتها، وربطاً مباشراً بين التراجع الحضاري والخلل في العلاقة مع أوامر الله ونواهيه، وبين الاستهداف الخارجي الذي يعمل على تقليص ظاهرة الصلاح والإيمان داخل المجتمعات الإسلامية، خصوصاً في أوساط الشباب.

رمضان.. عرض إلهي عظيم في زمن التيه

أكّد السيد القائد أن الله سبحانه وتعالى يقدّم لعباده في شهر رمضان عرضاً عظيماً من الخير: مضاعفة في الأجر، ورفيع في الدرجات، وأبواب مفتوحة للتوبة والتزكية والارتقاء.. غير أن المأساة تكمن في ضعف الاستيعاب لهذا العرض الإلهي المغري والمهم، في وقتٍ الأمة أحوج ما تكون فيه إلى هذا العطاء التربوي والإيماني.

فالأمة تعيش، بحسب التوصيف القرآني الذي استحضره السيد القائد، حالة أقرب إلى التيه:
اضطراب، استقطاب رهيب، يأس، تخبط، ضعف وعي، وعمى عن مكامن الخطر الحقيقية.. وهذه الحالة ليست قدراً مفروضاً، بل نتيجة مباشرة لخلل عملي في الالتزام بهدى الله، وتفريط واسع في المهام المقدسة والمسؤوليات الجماعية.


التقوى.. المكسب الأكبر والوقاية الاستراتيجية

وضع السيد القائد التقوى في موقعها المركزي: فهي المكسب الأعظم من شهر رمضان، وهي في الوقت ذاته الفاقد الأخطر في واقع الأمة.

التقوى ليست حالة وجدانية مجردة، بل منظومة التزام عملي بأوامر الله ونواهيه، تنعكس على السلوك الفردي والبنية المجتمعية والقرار السياسي.. وغيابها أدى إلى:

  • اختلالات أخلاقية وسلوكية واسعة.

  • تفريط في المسؤوليات الجماعية.

  • مظالم داخلية لا حد لها.

  • تبعية مذلة للأنظمة لأعداء الأمة.

  • حالة استباحة خطيرة في مختلف المجالات.

ومن هنا، فإن استعادة التقوى تمثل مشروع وقاية شامل: وقاية من العقوبة الإلهية، وقاية من الانهيار الداخلي، وقاية من الاستبدال التاريخي، ووقاية من أعظم خطر وجودي وهو عذاب الله.


القرآن الكريم.. من التلاوة إلى المنهج

شدّد السيد القائد على أن الخلل لا يكمن في غياب المصاحف، بل في غياب النظرة الصحيحة للقرآن بوصفه كتاب هداية واتباع والتزام وعمل.

فالآية الكريمة: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} ليست شعاراً، بل قاعدة تصحيح شامل.
الانحرافات الفكرية، واختلال المفاهيم، واتباع الأهواء، ونقص زكاء النفوس، كلها نتائج مباشرة للابتعاد عن القرآن كمرجعية عملية للحياة.

وعليه، فإن رمضان ليس موسماً لتكثيف التلاوة فحسب، بل لإعادة بناء العلاقة بالقرآن باعتباره:

  • معيار تقييم الواقع.

  • مرجع تصحيح المفاهيم.

  • مصدر استعادة الوعي.

  • أساس بناء الموقف في القضايا الكبرى.


الحرب الناعمة.. استهداف ممنهج للهوية

من أبرز محاور المحاضرة الرمضانية الأولى للسيد القائد، التحذير من الحرب الشيطانية الناعمة التي تستهدف الأمة في وعيها وقيمها، وتسعى إلى:

  • تقليص ظاهرة الصلاح والإيمان.

  • تقليص الفئات المتفاعلة مع الفرائض والأعمال الصالحة.

  • استهداف الشباب على نطاق واسع.

  • تمييع الهوية الدينية والأخلاقية.

هذه الحرب لا تعتمد على المواجهة العسكرية المباشرة، بل على تفكيك الداخل، وتشويه المفاهيم، وصناعة الانفصال بين الإنسان وتعاليم ربه.

ومواجهتها لا تكون بردود فعل انفعالية، بل بوعي بخطورتها، وتعزيز العلاقة بالله، وترسيخ الهوية الإيمانية، وتحصين الجيل الشاب بالتربية القرآنية.


مسؤوليات معطّلة تحتاج إلى استعادة

قدّم السيد القائد جردة حساب صريحة لما وصفه بالتفريط داخل الأمة، ومن ذلك:

  • الجهاد في سبيل الله.

  • الاعتصام بحبل الله.

  • إقامة القسط.

  • الأخوة الإيمانية.

  • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

  • التراحم والتكافل والتعاون على البر والتقوى.

هذا التفريط الجماعي ترافق مع اختلالات عملية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، ومع حالة تبعية واستسلام بلغت حد التسليم بالاستباحة.

ومن هنا، فإن رمضان محطة لإعادة تفعيل هذه المسؤوليات ضمن برنامج عملي، لا مجرد مشاعر عاطفية.


برنامج عملي لإعادة البناء

لم تقتصر محاضرة السيد القائد على التشخيص، بل قدّمت مسارات عملية واضحة، منها:

  1. الإكثار من الدعاء باعتباره تعبيراً عن الافتقار الحقيقي إلى الله، واستثماراً لقربه: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ }.

  2. تعميق ذكر الله بالقلب واللسان، وفق منهج يرسّخ الحضور الدائم لله في الوعي والسلوك.

  3. الإحسان وصلة الأرحام وفعل الخير كمسارات عملية لاستجلاب بركات الله في الدنيا قبل الآخرة.

  4. التخلص من الرواسب السلبية التي تراكمت بفعل الضغوط والإغراءات والعقد النفسية، وجعل رمضان فرصة تطهير داخلي شامل.

  5. الاستعداد المبكر لليلة القدر باعتبارها ذروة الموسم، والاستعداد لها من بداية الشهر بالتهيؤ والأخذ بأسباب التوفيق.


اليمن.. نموذج المحافظة على الشعيرة

في سياق عام يطغى عليه الاستهداف، أشار السيد القائد إلى تميز الشعب اليمني بإقباله على المساجد والعبادات والذكر والقرآن في شهر رمضان، رغم التحديات، معتبراً ذلك نعمة تستوجب الشكر والصيانة.

هذا الحضور الإيماني يشكل رصيداً استراتيجياً في معركة الهوية، ويؤكد أن الهوية الإيمانية ليست مجرد شعار، بل ممارسة حية متجذرة في المجتمع.


رمضان مشروع تصحيح شامل

المحاضرة الرمضانية الأولى للسيد القائد رسمت معادلة واضحة:

  • واقع مأزوم سببه خلل في العلاقة مع الله.

  • استهداف خارجي يستثمر هذا الخلل ويعمّقه.

  • فرصة إلهية سنوية لإعادة البناء من الداخل.

فرمضان ليس محطة روحانية منفصلة عن الواقع، بل نقطة انطلاق لمشروع تصحيح شامل: تصحيح المفاهيم، تصحيح السلوك، تصحيح العلاقة بالقرآن، وتصحيح موقع الأمة في معركة الوعي.

إنها دعوة لاستعادة الهوية الإيمانية كدرع وقاية، وكقوة نهوض، وكشرط أساسي للنجاة في الدنيا والآخرة.

موقع 21 سبتمبر.