منطق الاستهلاك والتخلي.. رؤية السيد القائد لتحولات السياسة الأمريكية تجاه أدواتها الإقليمية
تقرير
تطرح الولايات المتحدة نفسها في العلاقات الدولية غالبًا على أنها شريك وحليف، لكنها في الواقع تمارس سياسة قائمة على المنطق الاستهلاكي: استخدام الأدوات، استنزافها، ثم التخلي عنها وفق مصالحها. هذه الاستراتيجية ليست ظرفية، بل تشكل نمطًا ثابتًا في سلوك واشنطن منذ تحوّلها إلى قوة إمبراطورية بعد الحرب العالمية الثانية. من يفهم هذا الثابت، يدرك أن ما يُسمّى “التحالفات الاستراتيجية” و“الضمانات الأمريكية” ليس أكثر من تعهد مؤقت قائم على المصلحة، وليس على الولاء أو القيم المشتركة.
في هذا الإطار، يقدّم قائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي تحليلًا متقدّمًا لطبيعة السياسة الأمريكية وأثرها على الأنظمة والأدوات التابعة لها. فالسيد لا يكتفي بوصف أمريكا كعدو، بل يرصد بدقة سلوكها ويكشف النمط الثابت الذي يحدد مصير من يرهِن أمنه واستقراره لها.
تحذير دائم… منطق أمريكا في ميزان السيد القائد
يشير السيد القائد إلى أن المنطق الأمريكي قائم على المصالح لا الولاء. أي نظام أو أداة تُستخدم لتحقيق أهداف واشنطن تبقى ما دامت قادرة على التنفيذ، وفور فشلها تُترك لتنهار، ليواجه أصحابها التفكك الداخلي دون حماية. الرهان على الخارج ليس مجرد خطأ سياسي، بل تسليم للمصير، إذ أن استمرار الأنظمة لا يُقاس بالولاء، بل بالقدرة على خدمة المصالح الأمريكية.
وفي خطابه الأخير بمناسبة الذكرى السنوية للشهيد القائد حسين بدرالدين الحوثي، ربط السيد القائد بين التحذير التاريخي والوقائع المعاصرة، مؤكدًا أن أكبر الأخطاء الاستراتيجية تكمن في الثقة الزائدة بالخارج، خصوصًا أمريكا، التي ترى في حلفائها مجرد أوراق تفاوض قابلة للاستخدام ثم الإهمال.
هذا التشخيص يضع العلاقة مع واشنطن في إطارها الواقعي: طرف يقرر وطرف يُنفّذ، وعندما تنتهي الحاجة، ينتهي التحالف فورًا، بغض النظر عن أي ولاء سابق. كما يربط السيد القائد بين سلوك أمريكا والنتيجة الحتمية لأدواتها، موضحًا أن الأنظمة التي تربط أمنها بالولايات المتحدة تواجه الانهيار التدريجي أو المفاجئ بمجرد فقدان دعمها الخارجي.
علاوة على ذلك، تتضح تبعات هذا المنطق على الاقتصاد الداخلي والسياسة المحلية، حيث تتحول الرهانات على الخارج إلى عبء دائم على الدولة والمجتمع. فالارتباط بالولايات المتحدة يولد ديونًا متزايدة لتغطية تكاليف الحروب والمشاريع العسكرية، ويستنزف الموارد الوطنية بشكل مباشر وغير مباشر. كما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الحروب والصراعات الداخلية والخارجية، بينما تظل القرارات الاقتصادية والتنموية في ظل الهيمنة الأمريكية محدودة، وتقتصر على تلبية مصالح واشنطن دون الاهتمام بالاحتياجات المحلية.
السياسة الداخلية تتأثر أيضًا بهذا الارتباط؛ إذ يؤدي فقدان القدرة على ضبط الاستقرار داخليًا إلى تضخم الأجهزة الأمنية، وزيادة السيطرة على المجتمع، مع تضييق على المعارضة السياسية والمدنية، وغياب سياسات تنموية مستقلة تعزز الاقتصاد والازدهار الوطني. هذا الواقع يؤكد أن أي اعتماد على الخارج ليس مجرد خطأ استراتيجي، بل مسار نحو الهشاشة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
أدوات احترقت… أمريكا عندما تتخلى بلا رجعة
السيد القائد يوضح أن التخلي الأمريكي عن أدواتها ليس عاطفيًا أو أخلاقيًا، بل مرتبط بالجدوى. مثال أفغانستان أبرز دليل على ذلك: نظام بُني منذ 2001، بدعم أمريكي مباشر، جيش ضخم، أجهزة أمنية، وتمويل تريليوني دولار، لكنه انهار خلال أيام في أغسطس 2021 عند تغيّر المصالح الأمريكية، تاركًا النظام وأجهزته السياسية والعسكرية لمواجهة مصيرهم.
المشهد نفسه تكرر في العراق بعد 2003، حيث دعمت واشنطن منظومة سياسية كاملة لكنها قلصت حضورها تدريجيًا مع تصاعد المقاومة وتآكل السيطرة. كذلك، شهدت المنطقة العربية انهيارات سريعة للأنظمة التي اعتمدت على واشنطن، مثل نظام حسني مبارك في مصر وزين العابدين بن علي في تونس، حيث تُركت الأنظمة لمواجهة الداخل دون أي حماية فعلية.
حتى على مستوى الأفراد، يظهر النمط ذاته: شخصيات سياسية وعسكرية وميليشيات اعتمدت على الدعم الأمريكي، انتهى بها المطاف إلى العزلة أو التصفية عند تبدّل الأولويات. التاريخ القريب، كما يشير السيد القائد، يثبت أن واشنطن لا ترافق أدواتها حتى النهاية، بل تتركها عند أول تحوّل استراتيجي لتحمل وحدها كلفة الاستنزاف.
ويؤكد هذا التحليل أن المنطق الأمريكي وراء التخلي عن الأدوات لا يقوم على الاعتبارات الأخلاقية أو العاطفية، بل على الجدوى والمصلحة الاستراتيجية البحتة. أي أداة فقدت القدرة على خدمة مصالح واشنطن تصبح قابلة للتخلي الفوري، بغض النظر عن التاريخ أو الولاء أو الخدمات السابقة. التقارير الغربية حول الانسحاب الأمريكي من أفغانستان وأوجه تدخلها في العراق تؤكد هذا النهج بوضوح، حيث لم تصدر أي التزامات لحماية الأنظمة عندما انتهت الحاجة إليها.
السعودية والإمارات: ضحايا وهم الحماية الأمريكية
يشدد السيد القائد على أن أي دولة تربط أمنها واستقرارها بالولايات المتحدة تصبح أداة تنفيذ للمصالح الأمريكية وليس شريكًا مستقلًا. العلاقة قائمة على الجدوى والوظائف المؤقتة: تمويل الحروب، تنفيذ الضغوط، والمشاركة في إعادة هندسة التوازنات الإقليمية. وبمجرد فقدان القدرة على تنفيذ هذه المهام، تُترك الدولة لمواجهة النتائج وحدها.
الحرب على اليمن تمثل النموذج الأوضح لهذه الاستراتيجية. السعودية والإمارات تحملتا العبء العسكري والمالي والسياسي، بينما اقتصر الدور الأمريكي على الدعم الاستخباري وبيع السلاح، ومع فشل الحرب بدأ انسحاب الدعم تدريجيًا، مؤكّدًا قاعدة السيد القائد: من يربط وجوده بالخارج، يربط نهايته بتغيّر مصالحه.
نتيجة هذا المسار ليست محصورة بالخارج، بل تؤثر على الداخل أيضًا: تآكل التماسك الوطني، تضخم الأجهزة الأمنية، وزيادة الاعتماد على الخارج لضبط الاستقرار. الاقتصاد المحلي يتعرض لضغوط غير مسبوقة، حيث تتحول الموارد إلى تمويل الحروب والمشاريع العسكرية على حساب التنمية، ويزداد تراكم الديون، فيما تعاني مؤسسات الدولة من ضعف في التخطيط والتنفيذ المستقل. الحالة السعودية والإماراتية تؤكد القاعدة نفسها: من يُدار كأداة يُستنزف ويُترك عند تغيّر المصالح.
خيار الاستقلال: اليمن ومعادلة 21 سبتمبر
اليمن يمثل النموذج المضاد للأنظمة التابعة لأمريكا. ثورة 21 سبتمبر لم تكن مجرد حدث داخلي، بل تحوّل استراتيجي أعاد تعريف موقع اليمن في المعادلة الإقليمية. الاستقلال هنا ليس خيارًا شكليًا، بل قرارًا مكلفًا وحاسمًا لحماية السيادة والشعب.
خلال سنوات العدوان، أثبت اليمن أن التحرر من الوصاية الأمريكية يتيح بناء قدرات استراتيجية وفرض معادلات، وتحويل نقاط الضعف إلى قوة. اليمن نجح في تفصيل معارك 21 سبتمبر وفرض المعادلات الميدانية والسياسية، والصمود أمام الحصار الاقتصادي والعسكري، وتطوير قدراته الدفاعية المحلية، بما يعكس نموذجًا عمليًا للتحرر عن أنظمة الاتكال على الخارج.
هذا النموذج يكسر سردية “لا يمكن العيش دون أمريكا”، ويؤكد أن الاعتماد على الذات أساس للثبات، بينما الارتهان للخارج يؤدي حتمًا إلى الاستنزاف والهشاشة. التجربة اليمنية تثبت أن من يمتلك قراره السياسي والاقتصادي قادر على مواجهة الضغوط وتحويل التحديات إلى قدرات استراتيجية، فيما يظل الرهان على الخارج مسارًا مضمونًا نحو التفكك الداخلي والهشاشة.
درس التاريخ… من لا يتعلم يُستخدم ثم يُرمى
الدرس واضح: أمريكا لا تحمي، بل تستخدم. التاريخ، من أفغانستان إلى العراق، ومن الأدوات الفردية إلى الأنظمة الإقليمية، يكرر نفس السيناريو. من راهن على الخارج دفع الثمن، ومن اختار الاستقلال واجه التحدي لكنه امتلك القرار والمستقبل.
الثقة المطلقة بالولايات المتحدة ليست مجرد خطأ سياسي، بل خيانة للعقل قبل الوطن. الطريق الوحيد للثبات والقدرة على مواجهة التحديات يكمن في السيادة، الاستقلال، والاعتماد على الذات، مع بناء اقتصاد مستقل ومؤسسات قوية قادرة على مواجهة أي تهديد، وما عدا ذلك مسار مضمون نحو التفكك والهشاشة.
ويترتب على هذا الدرس أيضًا استشراف المستقبل: أي دولة رهنت أمنها للولايات المتحدة تواجه استنزافًا مستمرًا للموارد، وتآكلًا في القرار السياسي، بينما الدول التي تبني قدراتها الذاتية، وتستثمر في الاقتصاد الوطني وتنمية قدرات دفاعية واستراتيجية مستقلة، ستكون أكثر قدرة على الصمود وتحقيق الاستقرار على المدى الطويل.
موقع 21 سبتمبر.