أمريكا تستغل مخاوف العالم وتفرض رؤيتها لحكمه
أمريكا تستغل مخاوف العالم وتفرض رؤيتها لحكمه
تقرير | وديع العبسي
العالم يلتهب والفوضى تعم الأرجاء، والمشهد يتشكل بتفاصيل تنذر بدخول العالم حقبة سوداء تفرض منطق الغاب ووحشية القاعدة التي يأكل فيها الكبير الصغير، ويستقوي فيها القوي على من جمّدت شياطين الإنس والجن حركتها نحو النهوض ومجاراة المتغيرات بمتطلبات البقاء.
أمريكا -هذه المرة، مدفوعة بمس العظمة وتبلد القيم- تؤسس لعالم جديد تزول فيه كل التهديدات التي أنبأت بسحب بساط التفرد بقيادة القارات من أسفلها؛ حيث تتراجع الصين وروسيا بعد أن كانتا تؤرقان المعتوه الصهيوني الذي يدير هذه الفوضى من خلف كرسي الرئاسة الأمريكي.
أمريكا هذه المرة، في أوج الوضوح، تكشف عن سعيها للتفرد بالتحكم بمسارات العالم، فتستحضر بذلك كل المبادئ المنفلتة التي أسست هذا الكيان. وفي التخطيط والتنفيذ، يعود “ميكافللي” ليحدد مسارات التحرك على قاعدة تجاهل كل ما يعتبره قيوداً تحول بينه وبين مشروعه الاستحواذي، والمتمثلة بمنظومة الالتزامات من قيم أخلاقية ومبادئ إنسانية. وفي ذروة هذا النهج، ينسف ما قامت لأجله الأمم المتحدة من ميثاق وقانون دولي، حتى لم يعد لوجودها معنى.
لا شك بأن هذه الفوضى ترمي إلى الاستحواذ على مصادر القوة والثراء من جهة، ومن جهة ثانية تمكين الكيان الصهيوني -أكثر- من التحرك بمعتقده العبثي؛ باعتبار أن كل ما يحدث قد خرج مخططه من مجلس الحركة الصهيونية العالمية. ومع تواري تأثير الأصوات المناهضة والرافضة لهذه العودة إلى منطق الغاب، تزداد سوداوية الأفق، وما يظهر هو دمار شامل تقوده أمريكا؛ فإما أن يؤدي هذا إلى إعادة وضع العالم بمنطق جديد يفرض قواعد التعايش بالتفاف عالمي ضد المشروع الأمريكي، أو انتظار ما يحدده السيناريو الصهيوني من نقلات العنف والانفلات وازدراء القوانين.
دشن المعتوه “ترامب” مرحلة الهمجية الأمريكية في فنزويلا، وفي مظهر آخر للتحدي، جاء صراحة على لسان المعتوه لمجلة “أتلانتك” بأن “رئيسة فنزويلا المؤقتة ستواجه مصيراً أسوأ من مادورو في حال رفضت المطالب الأمريكية”، مؤكداً الذهاب أكثر من ذلك على مستوى العالم بأن “فنزويلا قد لا تكون آخر دولة تتعرض لتدخل أمريكي”. وهي الرسالة الإرهابية الأهم التي تستخف بالجميع؛ فأمريكا شرعت في التأسيس لنظام ديكتاتوري يحوّل العالم بأسره -وليس أمريكا اللاتينية فقط- إلى “خدم لأمريكا” كما وصف ذلك الرئيس الكولومبي.
ولا يبدو أن عملية اختطاف رئيس دستوري منتخب تجعل واشنطن تشعر بالعار، وإلا لكان لصوت الداخل الذي يدّعي معارضة هذا الفعل أي مستوى من التأثير في دفع إدارة ترامب للتراجع، على الأقل في التصريحات الوقحة التي لا تعير موقف المجتمع الدولي أي اهتمام. وقبل أشهر، أكد قادة البيت الأبيض في غير تصريح أنهم لا يعبأون بالقوانين التي يتوافق عليها الآخرون وأنهم ذاهبون إلى أهدافهم.
من أجل ذلك، حاول ترامب إظهار نوع من الالتزام بالبروتوكولات القانونية التي تمنح “الرئيس المنتخب” الحصانة، فتعمد عدم الاعتراف بـ “مادورو” كرئيس بعد الانتخابات التي حملته لولاية جديدة؛ ما يشير إلى النية المبيتة منذ وقت مبكر لهذا الأمر، ليستند إلى موقفه بأن مادورو ليس رئيساً معترفاً به، وهو “عذر أقبح من ذنب” ولا يعطيه الحق في ارتكاب هذا الجرم الفادح.
لا يبدو أن دول العالم ستدرك الخطر الأمريكي الداهم إلا متى وصلها “فرادى” كي تتحرك في اتجاه الحد من انتشار هذا الوباء. كما لا يبدو الأمر بعيداً والمعتوه الأمريكي يعلنها صراحة بلا مواربة، إذ أعلن حاجة أمن بلاده لاحتلال جزيرة “جرين لاند” الدنماركية، بعد التهديد بأن تتعرض باقي الدول اللاتينية لما تعرضت له فنزويلا، فيما تعيش باقي الدول واقعاً مؤجلاً من صنع أمريكا، أما دول الشرق الأوسط فيتكفل بها الكيان الصهيوني.
على هذا المسار من العربدة، يدخل العالمُ النفقَ الأمريكي الضيق، ولا خروج منه إلا وفق إرادة قادة أمريكا؛ حيث لا قوانين بعدها تجدي ولا هيئات دولية يمكنها ضبط إيقاع حركة العالم وقد أعلن الأمريكي أن القوانين هي “للآخرين”. يتصور اللوبي الصهيوني أو “الدولة الأمريكية العميقة” أن عودة الصدارة للولايات المتحدة تفترض تحولاً في شكل السياسة الخارجية وإعطاء الأولوية لمصالحها بلا أي كوابح، فلا مراعاة لشيء أمام ما يراه اللوبي استعادة للهيمنة بعد العواصف التي هزت مكانة واشنطن.
لا شك بأن الوصفة الصهيونية تبدو الخيار الوحيد المتاح لبلد لا يحتكم في سياسته لأي قيم، وماضيه الإجرامي لا يشابهه إجرام على مستوى التاريخ. وهو الخيار المتوافر في الوقت الحرج الذي تنسحب فيه من باقي الدول فرصة تعديل بوصلة السلوك الأمريكي؛ إذ إن انشغال البعض بتداعيات المخططات الأمريكية، وانشغال أخرى بالحسابات الاقتصادية، أفقد الجميع حكمة التقدير، ليأتيهم التدشين الأمريكي لعصر جديد من الهيمنة طابعه الاستباحة المطلقة.
الأمر -مع ذلك- لا يعني أن التسليم وانتظار العصابة المسلحة الأمريكية هو الحل؛ فلا يزال بمقدور الدول الضغط بوسائل سياسية واقتصادية لإطفاء هذا الهيجان الذي يعاني منه قادة البيت الأبيض، خصوصاً وأن “ترامب” يؤسس لمن بعده طريقة جديدة ومختصرة لرفد الخزينة الأمريكية بالأموال المنهوبة، وهي تجاهل كل قوانين العالم، والانقضاض على الهدف بعنف مفرط، لخلق “ردع نفسي” لدى باقي الأنظمة.
يقدم المخطط الجديد النموذج لتحكم الصهيونية، حيث تتلاشى كل المبادئ والمحاذير أمام الأهداف العليا. وقد تفاخر المعتوه “ترامب” يوماً بالقول: “أنا أول يهودي يحكم الولايات المتحدة”، وهذا لا ينفي تبعية باقي الرؤساء للحركة الصهيونية التي تتحكم بكل المفاصل الأمريكية.
من أجل ذلك، فإن تغيير الرؤية في كيفية استعادة السيطرة على العالم لا يعني المفهوم الضيق المحدد بالمصالح الأمريكية فحسب، وإنما الهيمنة الصهيونية الشاملة على العالم؛ فكل هذه التحركات والإجراءات تنتهي إلى خدمة الحضور الصهيوني في حكم العالم، وتحديد اتجاهاته على النحو الذي يخدم المشروع الكبير للحركة الصهيونية العالمية.
موقع أنصار الله.