واشنطن بلا أقنعة.. من العراق إلى فنزويلا نهج أمريكي ثابت في سحق الدول المستقلة

واشنطن بلا أقنعة.. من العراق إلى فنزويلا نهج أمريكي ثابت في سحق الدول المستقلة


لم يكن فجر الثالث من يناير 2026 يومًا عاديًا في كاراكاس. الضربات الجوية التي استهدفت مواقع استراتيجية، واقتحام مؤسسات سيادية، واعتقال رئيس دولة منتخب هو نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهم خارج البلاد، لم تكن مجرد تطور أمني أو “عملية محدودة” كما حاولت واشنطن تسويقها، بل كانت إعلانًا صريحًا عن انتقال الولايات المتحدة من سياسة الضغط والحصار إلى العدوان العسكري المباشر. ما جرى في فنزويلا شكّل لحظة كاشفة، ليس فقط لمستقبل هذا البلد، بل لطبيعة النظام الدولي الذي تقوده أمريكا بالقوة لا بالقانون.

الخطاب الأمريكي كان جاهزًا: “انتقال آمن للسلطة”، “مكافحة الفساد”، “حماية الديمقراطية”. عبارات مستهلكة، تكررت بحذافيرها في العراق وأفغانستان وليبيا، وانتهت دائمًا بالنتيجة ذاتها: دول مدمّرة، شعوب منهكة، وموارد منهوبة. فنزويلا اليوم ليست استثناءً، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التدخلات التي تكشف أن المشكلة ليست في الأنظمة المستهدفة، بل في عقلية الهيمنة التي تحكم صانع القرار الأمريكي.

التدخل العسكري الأمريكي… انتهاك مكتمل الأركان بغطاء سياسي

العملية العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة ضد فنزويلا لم تترك مجالًا للبس أو التأويل. استهداف العاصمة كاراكاس، والسيطرة على مواقع سيادية، واعتقال رئيس الجمهورية بالقوة، تمثل في القانون الدولي تعريفًا صريحًا للعدوان والانقلاب على دولة ذات سيادة. لا يمكن تبرير هذا الفعل تحت أي مسمى، سواء كان “إنسانيًا” أو “ديمقراطيًا”، لأن جوهره يقوم على فرض إرادة خارجية بالقوة المسلحة.

واشنطن حاولت تقديم التدخل كحل للأزمة السياسية الفنزويلية، لكنها تجاهلت حقيقة أساسية: أن تقرير مصير الشعوب لا يتم عبر الطائرات والصواريخ، ولا عبر اختطاف رؤساء الدول. ما حدث هو مصادرة كاملة للقرار الوطني الفنزويلي، وإلغاء فعلي لسيادة الدولة، وتحويل المؤسسات إلى أدوات خاضعة لإدارة خارجية.

الأخطر أن هذا التدخل لم يكن رد فعل طارئًا، بل نتيجة مسار طويل من العقوبات والحصار والضغط السياسي والإعلامي. حين فشلت أدوات الحرب الناعمة في إخضاع كاراكاس، انتقلت واشنطن إلى الخيار الخشن، كما فعلت مرارًا في تجارب سابقة. هذا السلوك يؤكد أن الولايات المتحدة لا تعترف بالسيادة إلا حين تخدم مصالحها، ولا تحترم الديمقراطية إلا إذا جاءت بأنظمة مطيعة.

النفط أولًا… الثروات في قلب العدوان

من يقرأ المشهد الفنزويلي بسطحية قد ينخدع بالشعارات السياسية التي رافقت التدخل الأمريكي، لكن أي قراءة جادة لا يمكن أن تتجاوز العامل الاقتصادي، وبالأخص النفط. فنزويلا تمتلك واحدًا من أكبر احتياطات النفط في العالم، وهذه الحقيقة وحدها كافية لفهم سبب الإصرار الأمريكي على إخضاعها، مهما تنوعت الذرائع وتبدلت العناوين.

السيطرة على الموارد ليست اتهامًا دعائيًا، بل نمطًا ثابتًا في السلوك الأمريكي، وهو ما أشار إليه السيد عبدالملك الحوثي مرارًا في خطاباته، حين أكد أن الولايات المتحدة “تتحرك في العالم بعقلية النهب المنظم”، وأن ثروات الشعوب هي الدافع الحقيقي خلف الحروب والانقلابات والتدخلات. في العراق، كان النفط حاضرًا خلف كذبة “أسلحة الدمار الشامل”، وفي ليبيا كانت الحقول والطاقة جزءًا أساسيًا من الحسابات التي سبقت إسقاط الدولة، واليوم تتكرر القصة ذاتها في فنزويلا، مع فارق أن واشنطن لم تعد تبذل جهدًا حقيقيًا لإخفاء أطماعها.

السيد عبدالملك الحوثي لطالما شدد على أن أمريكا لا تتحمل وجود دولة مستقلة تمتلك قرارها وثروتها، وأن أي بلد يرفض الخضوع يتحول تلقائيًا إلى “تهديد” في القاموس الأمريكي. هذا التوصيف ينطبق بدقة على الحالة الفنزويلية، حيث لم يكن الخلاف سياسيًا بقدر ما كان صراعًا على من يملك قرار النفط، ومن يحدد وجهة عائداته، ولصالح من تُدار هذه الثروة.

ولفهم هذا السلوك بوصفه ممارسة لا ادّعاء، تأتي قراءة السيد القائد عبدالملك الحوثي لتكشف البعد العملي للعدوان الأمريكي، حيث يوضح أن الولايات المتحدة لا تكتفي بالضغط السياسي أو العسكري، بل تمارس نهبًا فعليًا ومنهجيًا للثروة الفنزويلية، مستأثرة بشكلٍ مستمر بثلث ما تنتجه فنزويلا من النفط. ويشير إلى أن واشنطن، رغم هذا النهب القائم، تسعى للسيطرة الكاملة على أكبر احتياطي نفطي في القارة، مستخدمة عنوان “مكافحة المخدرات” كذريعة، في مفارقة فاضحة لدولة تُعد الأكبر عالميًا في إنتاج المخدرات وترويجها وانتشارها. ما يجري، وفق هذا التوصيف، ليس مكافحة جريمة ولا حماية استقرار، بل استحواذ قسري على سفن النفط، وقرصنة مكشوفة، واغتصاب ممنهج لثروة شعب بأكمله تحت غطاء سياسي زائف.

التدخل العسكري يفتح الباب أمام إعادة هندسة الاقتصاد الفنزويلي بما يخدم الشركات الأمريكية وحلفاءها، على حساب الشعب الذي سيدفع ثمن الانهيار، وارتفاع الأسعار، وتراجع الخدمات. وهو ما ينسجم مع تحذير السيد عبدالملك الحوثي من أن الحروب الأمريكية لا تنتهي بإسقاط أنظمة فحسب، بل تبدأ بعدها مرحلة أكثر خطورة: تفكيك الاقتصاد، وتجفيف مقدرات الدولة، وتحويل الشعوب إلى رهائن للفقر والحاجة.

الأزمة الإنسانية التي بدأت تتفاقم منذ اللحظة الأولى للتدخل ليست نتيجة “سوء إدارة محلية” كما تزعم واشنطن، بل نتيجة مباشرة لتدمير بنية الدولة وفرض واقع قسري جديد، وهو السيناريو ذاته الذي حذر منه السيد الحوثي حين وصف التدخلات الأمريكية بأنها “حروب شاملة تستهدف الإنسان قبل الحجر، والسيادة قبل السياسة”.

بهذا المعنى، فإن العدوان على فنزويلا ليس فقط سياسيًا، بل اقتصاديًا بامتياز. إنه محاولة لإعادة إنتاج نموذج التبعية الذي تحدث عنه السيد عبدالملك الحوثي باعتباره جوهر المشروع الأمريكي: دول غنية بالموارد، محرومة من القرار، تتحول إلى أسواق مفتوحة، بينما تُختزل شعوبها في أرقام داخل معادلات الربح والخسارة في مراكز القرار الأمريكية.

فنزويلا امتداد لسجل أمريكي أسود

ما حدث في كاراكاس لا يمكن فصله عن التاريخ. الولايات المتحدة لم تبدأ تدخلاتها مع فنزويلا، ولن تنهيها عندها. العراق 2003 ما زال شاهدًا على كيف يمكن لكذبة كبرى أن تدمر دولة كاملة. أفغانستان مثال صارخ على عبثية الاحتلال، حيث انتهت أطول حرب أمريكية بانسحاب مهين بعد عقدين من القتل والدمار. ليبيا تحولت من دولة موحدة إلى ساحة فوضى مفتوحة، وتشيلي دفعت ثمن انقلاب مدعوم أمريكيًا أطاح برئيس منتخب لأنه تجرأ على الاستقلال بقراره.

القاسم المشترك بين كل هذه النماذج هو واحد: تدخل خارجي، شعارات براقة، ثم خراب طويل الأمد. فنزويلا اليوم تُضاف إلى هذه القائمة، لا كحالة استثنائية، بل كدليل جديد على أن الولايات المتحدة لم تتعلم من كوارثها، أو بالأحرى، أنها لا تعتبرها كوارث طالما أن مصالحها تحققت.

هذا السجل الأسود يضع أي خطاب أمريكي عن “النظام الدولي القائم على القواعد” في موضع السخرية. القاعدة الوحيدة الثابتة هي أن القوة تفرض الحق، وأن الدول المستقلة تُعاقب إن خرجت عن الطاعة.

زيف الشعارات… الديمقراطية كقناع للهيمنة

الديمقراطية وحقوق الإنسان ليستا قيمتين حاكمتين في السياسة الأمريكية، بل أدوات انتقائية تُستخدم عند الحاجة. في فنزويلا، رُفعت هذه الشعارات لتبرير اعتقال رئيس دولة، وتدمير مؤسسات، وفرض واقع سياسي جديد بالقوة. المفارقة أن واشنطن لم تنتظر انتخابات، ولم تحترم آليات داخلية، بل اختارت الطريق الأسرع: القوة العسكرية.

هذا الزيف لم يعد خافيًا على الشعوب. التناقض بين الخطاب والممارسة صار فاضحًا إلى درجة أن حتى حلفاء واشنطن باتوا يتعاملون معه كأمر واقع. حين تُقصف العواصم باسم الديمقراطية، وتُنهب الثروات باسم حقوق الإنسان، فإن المشكلة ليست في سوء الفهم، بل في طبيعة المشروع نفسه.

فنزويلا اليوم تكشف الحقيقة بلا تجميل: الولايات المتحدة لا تصدر القيم، بل تصدر الأزمات. لا تحمي الشعوب، بل تستخدمها وقودًا لمعارك النفوذ. وكل من يصدق غير ذلك، يكفيه أن ينظر إلى الخراب المتراكم في الدول التي “أنقذتها” أمريكا.

حين ينكشف الوجه الحقيقي لأمريكا

ما جرى في فنزويلا ليس استثناءً ولا انحرافًا عن المسار، بل تجسيد مكتمل لقبح الهيمنة الأمريكية حين تُسقط الأقنعة وتسقط معها كل الشعارات. اعتقال رئيس دولة، تدمير سيادة بلد، وفرض واقع بالقوة المسلحة، ليست أخطاء سياسية ولا “إجراءات استثنائية”، بل السلوك الطبيعي لقوة ترى نفسها فوق القانون الدولي وفوق المحاسبة.

 

الرسالة التي تبعثها واشنطن واضحة ولا تحتاج تأويلًا: أي دولة تحاول الاستقلال بقرارها أو حماية ثرواتها ستُصنَّف تهديدًا وتُستهدف بأدوات مختلفة، من العقوبات إلى الانقلابات ثم العدوان المباشر. في هذا السياق، لا يمكن اعتبار الصمت الدولي حيادًا، بل شراكة غير مباشرة في تمرير منطق الغطرسة وشرعنة العدوان. التاريخ سجّل هذا النمط مرارًا، وسيواصل تسجيله، لأن الإمبراطوريات قد تفرض قوتها بالقهر، لكنها تعجز دائمًا عن تزييف حقيقتها أو غسل سجلها الأسود، مهما كثفت دعايتها ورفعت شعاراتها.

 

 

موقع 21 سبتمبر.