فاطمة الزهراء والمرأة اليمنية المجاهدة.. من مشكاةٍ واحدة
وفاء الكبسي
هي الزهراء في روحها، واليمنية في ميدانها… تشرق من مشكاة واحدة، نورها لا يخبو، وجهادها لا ينطفئ.
تمضي المرأة اليمنية على خُطى الزهراء، مستضيئة بنور القرآن، صابرةً مجاهدةً في معركة الوعي والبصيرة، فكانت تجسيدًا حيًّا للطهر والجهاد، ومشكاةً للهداية في دروب الأمة.
كانت فاطمة الزهراء عليها السلام كوثرًا متدفقًا بالإيمان والنور، ومصدرًا للبركة والعطاء والخلود. من نورها تفرعت شجرة الرسالة، وبفيض عطائها تشكلت ملامح المرأة المؤمنة التي تحمل همّ الأمة، وتنهض بمسؤوليتها في مواجهة الباطل، بثباتٍ يستمد جذوره من الإيمان العميق واليقين الصادق بوعد الله.
الزهراء ليست ذكرى تُروى، بل منهجٌ يُقتدى، ورسالةٌ خالدة تتجسد في كل زمانٍ ومكانٍ في وجوه النساء المؤمنات اللواتي حملن مشعل الهداية والجهاد. وما أشبه اليوم بالبارحة، حين نرى في المرأة اليمنية صورةً حيّة للزهراء، تتجلى فيها ملامح الصبر والإيثار، والثبات في وجه الطغيان، والبذل في سبيل الله.
في خضم العدوان، لم تكن المرأة اليمنية مجرّد شاهدة على الأحداث، بل كانت صانعةً لها. خرجت في المسيرات، رفعت راية الحق، ربّت الأجيال القرآنية، زغردت للشهداء، وضمدت جراح المجاهدين. كانت المربية والمعلمة والإعلامية والمنفقة والمجاهدة، وهي تردد في قلبها نداء الزهراء: «ما رأيتُ إلا جميلًا».
لقد كانت المرأة اليمنية بحقّ مدرسة الصبر والإيمان، لم تهتزّ أمام المحن، ولم تتراجع في وجه العدوان، بل وقفت بثباتٍ يجلّله اليقين. حملت همّ الأمة كما يحمل المجاهد بندقيته، وشاركت أخاها الرجل في ميادين الصبر كما شاركته في ميادين النصر. كانت في البيت تزرع الوعي، وفي الميدان تزرع الثبات، وفي قلبها إيمانٌ لا يتزعزع بأنّ الله لا يُضيع أجر الصابرين.
كم صبرت على الفقد، واحتسبت دموعها عند الله، وكم واجهت الحصار والجوع والخوف بالذكر والدعاء والعمل. كانت أمًّا للشهيد، وزوجةً للمجاهد، وأختًا للمجاهد، تشدّ الأزر وتلهب الهمة، وتقول بلسان الإيمان: «ما دام فينا نفسٌ يتحرك، فلن تنطفئ رايةُ الله».
هي المرأة التي لم تتراجع أمام القهر، بل صاغت منه مجدًا جديدًا، تُعين المجاهدين، وتواسي الأسرى، وتخدم الجرحى، وتُربي أبناءها على نهج القرآن والجهاد. وهكذا كانت وما تزال، شريكةً في صناعة النصر، كما كانت شريكةً في تحمّل الآلام، لتسطّر أنصع صفحات التاريخ في زمن الولاية والكرامة.
من فاطمة استلهمت المرأة اليمنية معنى الطهر والوعي، ومن زينب الكبرى أخذت سرّ الصمود والكلمة الحرة. فكانت فاطمية الروح، زينبية الموقف، حيدرية العزيمة، قرآنية الرؤية. ترى في الشهادة حياةً، وفي التضحية نصرًا، وفي خدمة الأمة عبادةً خالصةً لله.
ولأن المشروع القرآني أعاد للمرأة موقعها الرسالي، فقد أشرقت في اليمن نساءٌ حملن فكر الزهراء قولًا وفعلاً، في البيوت والمدارس والمجالس والميادين. يربين جيلاً يعي معنى الولاء لله، ويؤمن بأن الجهاد طريق العزة والكرامة. نساءٌ لا يغرّهن زخرف الدنيا، ولا يُثني عزائمهن تهديدٌ ولا حصار، لأنهن أدركن أن الزهراء علّمتهن أن الإيمان أكبر من كلّ الطغاة.
هي الزهراء التي علمت البشرية أنّ العفة لا تعني الانزواء، وأن القوة لا تناقض الرحمة، وأن المرأة التي تربي رجال الله هي شريكة في النصر كما هي شريكة في الشهادة. وهي المرأة اليمنية اليوم، التي تقف شامخة في وجه الطغيان، تحمل مصحفها بيد، ووصية شهيدها باليد الأخرى، تمضي على درب الولاية بثبات المؤمنين الذين قال الله فيهم:
﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾… ونساءٌ كذلك صدقن العهد، فكتب الله لهن خلودًا في سجلّ المجد الإيماني.
إن فاطمة الزهراء عليها السلام ليست فقط رمزًا للتاريخ، بل هي الحاضر الممتد في روح كل امرأة يمنية مؤمنة. فمنها تستمد الوعي والبصيرة، وبها تقتدي في الصبر والبذل، حتى تكون بحق «امرأةً من مشكاة النور الإلهي»، تضيء درب الأمة وتغرس في الأجيال معنى الجهاد والكرامة.