عقيدة التوحش في «ذو باب».. رسائل المأزق العسكري واستدعاء «البصمة التكفيرية» بالغطاء الأمريكي
الجوف نت | تقرير خاص
الإثنين، 05 أكتوبر 2026
لا يمكن قراءة المشاهد المروعة التي تداولتها وسائل الإعلام لإعدام ودهس أسرى القوات المسلحة بالمدرعات الأمريكية في أطراف مديرية ذو باب، ومن قبلها سحل الجثامين في محافظة تعز، باعتبارها مجرد “سلوكيات فردية” أو منفصلة عن السياق الميداني والسياسي للصراع؛ بل هي استدعاء محسوب لما يُعرف بـ «عقيدة التوحش»، كأداة ضغط استراتيجي تلجأ إليها غرفة عمليات تحالف العدوان في لحظات الانسداد العملياتي والفشل الميداني.
إن توثيق هذه الفظائع والتفاخر بها إعلامياً يتجاوز البعد الانتقامي المباشر، ليكشف عن محاولة ممنهجة لإعادة هندسة الردع النفسي وكسر معنويات المقاتل والشارع اليمني، بعد أن فقدت الترسانة الجوية والتسليحية للرياض فاعليتها على الأرض. غير أن القراءة الدقيقة لما وراء هذه المشاهد تفضح البنية التكوينية للقوات الموالية للتحالف، وتُثبت مجدداً الترابط العضوي بين الأجندة السعودية وتكتيكات الجماعات التكفيرية.
دلالات السلوك الميداني: الترهيب لتعويض الفشل
تتطابق ممارسات الإعدام والدهس بالآليات الأمريكية مع “البصمة التقليدية” لتنظيمات العنف الديني كـ «داعش والقاعدة»، حيث يُوظّف المشهد البصري الصادم كرسالة إرهاب نفسي موجهة للداخل اليمني وللجبهة المواجهة.
ويرى خبراء عسكريون أن اللجوء إلى انتهاك قواعد الاشتباك وتصفية العزل يُعد مؤشراً صارخاً على الضعف العملياتي؛ فعندما تعجز التحشيدات العسكرية عن فرض واقع جغرافي مستقر، تلجأ إلى تصدير الفظائع كبديل معنوي للتغطية على الإخفاق في كسر الخطوط الدفاعية.
وفي المقابل، فإن هذه الحسابات تسقط أمام واقع الميدان؛ إذ تُظهر الاستجابة الشعبية والعسكرية أن صدمة التوحش لا تنتج انكفاءً، بل تتحول إلى محفز تعبوي يعزز تماسك الجبهة الداخلية، ويوضح طبيعة المعركة باعتبارها مواجهة حتمية ضد مشروع إرهابي مدعوم خارجياً.
أبرز أبعاد التكتيك الميداني للتحالف:
- تكتيك الصدمة والترويع: توظيف الدهس والإعدام المباشر لإحداث صدمة نفسية تعوض العجز التكتيكي.
- البصمة الداعشية الممنهجة: استنساخ سيناريوهات التوثيق المرئي الاحترافي للجريمة لتوظيفها دعائياً.
- الانعكاس التعبوي العكسي: تحول الجرائم إلى وقود تعبوي يرفع وتيرة التلاحم والردع في الميدان.
- تطابق مسارح العمليات: ترابط حوادث ذو باب وتعز والساحل الغربي كخط بياني واحد يجسد عقيدة التحالف.
تقاطع المصالح: هندسة التوظيف التكفيري برعاية أمريكية
تكشف جريمة ذو باب بوضوح زيف سردية “مكافحة الإرهاب” التي طالما اتخذتها واشنطن والرياض ذريعة للتواجد في الجغرافيا اليمنية. فالتقارير والتحقيقات تؤكد وجود خط إمداد وتسليح يدمج عناصر التنظيمات التكفيرية ضمن التشكيلات العسكرية الموالية للتحالف؛ واليوم يأتي استخدام المدرعات أمريكية الصنع في سحل ودهس الأسرى ليقدم دليلاً عينياً على التقاطع الكامل بين: التسليح الأمريكي، التمويل السعودي، والعقيدة التكفيرية على الأرض.
هذا التناغم الثلاثي يمثل جوهر إدارة الحرب بالوكالة؛ حيث تعتمد الرياض على قوة مشاة عقائدية تملأ الفراغ في خطوط التماس دون اكتراث بالقوانين الدولية، بينما تُؤمن واشنطن المظلة السياسية وصفقات السلاح الحديثة، مما يضع واشنطن والرياض في قفص الاتهام إلى جانب العناصر المنفذة للجريمة.
المأزق القانوني والصمت الدولي
على الصعيد الحقوقي والقانوني، تُسقط تصفية الأسرى ودهسهم أي ادعاء لالتزام التحالف بالقانون الدولي الإنساني أو اتفاقيات جنيف (لا سيما المادة 13 من الاتفاقية الثالثة والمادة المشتركة الثالثة)، فضلاً عن نظام روما الأساسي. فالأسر يمنح المقاتل حصانة قانونية فورية، مما يجعل هذه الممارسات جرائم حرب مكتملة الأركان لا تسقط بالتقادم.
كما يُظهر هذا السلوك اعتماد التحالف على حالة “الإفلات من العقاب” التي توفرها المنظومة الدولية، عبر الاكتفاء ببيانات هامشية والتغاضي عن الانتهاكات الجسيمة بضغط من القوى الكبرى في مجلس الأمن، وهو ما يجعل هذا الصمت الدولي شريكاً بنيوياً في التغطية على جرائم الحرب.
خيارات الردع وحسم المعركة
إن توثيق هذه الجرائم لا يقتصر على البعد الحقوقي للملاحقة الجنائية، بل يرسم المسار الحتمي لإدارة الصراع في المرحلة المقبلة؛ فقد أثبتت وقائع ذو باب وتعز أن الرهان على التهدئة السياسية مع أدوات تتبنى عقيدة الاستئصال هو رهان غير واقعي.
وبناءً على ذلك، يتأكد يومياً أن تعزيز خيارات الردع العسكري وكسر آلة التوحش هو الضمانة الوحيدة لحماية دماء اليمنيين وصون سيادتهم، وأن حسم المعركة وإنهاء الحصار لا يتحققان عبر مناشدة المجتمع الدولي، بل من خلال تثبيت موازين القوة وتجريد التحالف من أدواته الميدانية.