من هدم ذاكرة النبوة إلى إحياء تاريخ خيبر حين يُرفع شعار محبة النبي والصحابة.. ثم تُمحى آثارهم من مكة والمدينة
تبدو المفارقة صارخة حين تُقارن صورة السعودية التي تقدم نفسها بوصفها حامية الحرمين وخادمة الإسلام ومحبّة للنبي وأصحابه، بما حدث خلال العقود الماضية لذاكرة الإسلام المكانية في مكة والمدينة، فالقضية لم تكن مجرد إزالة «آثار»؛ بل طالت بيوتًا ومواضع ومساجد ومقابر ارتبطت مباشرة بالنبي وأهل بيته وصحابته، وأعادت تشكيل المشهد التاريخي للمدينتين بصورة جعلت أجيال المسلمين تزور مكة والمدينة دون أن ترى كثيرًا من الأماكن التي شهدت بدايات الإسلام، وتوثق دراسات أكاديمية أن قيادة آل سعود تبنت في مراحل مبكرة تصورًا دينيًا رأى في بعض مظاهر تعظيم القبور والمزارات خطرًا على التوحيد، وأن ذلك ارتبط بإزالة عدد من المعالم التاريخية؛ فتذكر دراسة ما جرى من هدم دار الأرقم، ومسجد بلال، وإزالة منشآت البقيع مقبرة كثير من الصحابة، إلى جانب تدمير أجزاء من النسيج العمراني التاريخي لمكة والمدينة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا، كيف يمكن لمن يقول إنه يحب النبي وصحابته ويعتز بتاريخهم أن يقبل اختفاء الأماكن التي عاشوا فيها، والمواقع التي شهدت حياتهم، والمعالم التي كانت تحفظ حضورهم في ذاكرة المكان؟ ، فبيت النبي صلوات الله عليه وعلى آله ليس مجرد حجارة، وبيت خديجة رضي الله عنها ليس مجرد منزل قديم، ودار الأرقم ليست مجرد مبنى، والبقيع ليس مجرد مقبرة، والمعلاة ليست مجرد أرض دفن، إنها شواهد مادية على تاريخ الإسلام نفسه، وحين تختفي الشواهد، لا يختفي التاريخ من الكتب، لكنه يفقد حضوره من المكان، وهذه هي الخسارة الكبرى.
أعده للنشر | طارق الحمامي
من بيت النبي إلى الأبراج
كانت مكة القديمة مدينة يمكن أن يقرأ الزائر فيها شيئًا من السيرة بقدميه؛ يرى الجبل، والحي، والمسجد، والبيت، والمقبرة، والطريق،
أما مكة الحديثة فقد تغير نسيجها العمراني بصورة هائلة، وتشير الأدبيات الأكاديمية إلى أن التوسع العمراني منذ الطفرة النفطية أدى إلى تدمير أجزاء واسعة من النسيج التاريخي للمدينة، وتحول محيط الحرم إلى مشهد عمراني كثيف من الفنادق والمراكز التجارية والمنشآت الحديثة، ولا يتعلق الأمر برفض التوسعة أو توفير الخدمات لملايين الحجاج، فالتوسعة حاجة حقيقية، لكن السؤال، هل كان التطوير يستلزم بالضرورة محو أكبر قدر ممكن من الذاكرة؟ وهل كان يمكن أن تُبنى المدينة الحديثة فوق تاريخها، لا فوق أنقاضه؟
البقيع.. عندما تُمحى ملامح مقبرة الصحابة
وتزداد المفارقة وضوحًا في البقيع، فالمقبرة ارتبطت منذ صدر الإسلام بدفن عدد كبير من الصحابة وأهل بيت النبي صلوات الله عليه وعلى آله وأمهات المؤمنين وغيرهم من الشخصيات الإسلامية الكبرى، وتوثق دراسة تاريخية حديثة أن البقيع كان مقبرة رئيسية للمدينة منذ عهد النبي صلوات الله عليه وعلى آله، وأن القباب والأضرحة التي أقيمت على بعض القبور عبر العصور أزيلت منذ تولي آل سعود لحكم الحجاز، فحتى لو كان هناك خلاف فقهي حول البناء على القبور، يبقى السؤال التاريخي قائمًا، لماذا لا تُحفظ هوية المكان وتُوثق أسماء المدفونين فيه وتاريخه، دون تحويل ذلك بالضرورة إلى ممارسة دينية؟
إن حفظ الذاكرة ليس عبادة للقبر، وتوثيق التاريخ ليس شركًا، والمتحف ليس ضريحًا
وهذه نقطة جوهرية في أي نقاش جاد حول التراث الإسلامي.
ثم نصل إلى خيبر يهود .. هنا تصبح المفارقة أكثر إلحاحًا
في خيبر، تعمل السعودية اليوم على مشروع واسع لاكتشاف التراث وحمايته وتنميته، ضمن منظومة العلا وتيماء وخيبر وإعادة ترميم حصونها، وتعلن الهيئة الملكية لمحافظة العلا صراحة أنها تدير برامج للبحث الأثري والتنقيب والحفظ، وأن نطاق العمل يشمل أكثر من 37 ألف موقع أثري، بمشاركة أكثر من 200 عالم ومتخصص سعودي ودولي، وفي خيبر تحديدًا يجري تطوير الواحة بوصفها وجهة للتراث والثقافة، مع حماية الحصون والمواقع التاريخية وإجراء أبحاث أثرية متقدمة، بل إن أعمال التنقيب كشفت عن مدينة محصنة تعود إلى العصر البرونزي، وسور ضخم يحيط بالواحة، وهي اكتشافات تقدمها الجهات السعودية باعتبارها جزءًا من التراث العالمي للجزيرة العربية، لكن المفارقة تبقى أن في مكة والمدينة اختفت أجزاء واسعة من الذاكرة المادية للإسلام، وفي خيبر يجري اليوم إنفاق إمكانات ضخمة لاكتشاف الماضي وحمايته وتقديمه للعالم، لماذا ؟؟؟
المشكلة تبدأ عندما نسأل، لماذا لم يُعامل تاريخ النبي وصحابته بالحرص نفسه على الأقل؟ ، وإذا كان سور عمره آلاف السنين يستحق التنقيب والترميم، فلماذا لا تستحق دار ارتبطت ببدايات الدعوة الإسلامية الحماية؟ ، وإذا كانت حصون خيبر تستحق أن تتحول إلى وجهة تراثية عالمية، فلماذا لم تتحول مكة والمدينة إلى متحف حي للسيرة النبوية؟، وإذا كانت النقوش القديمة تستحق أن تُوثق وتحفظ، فلماذا لا تُوثق المواقع التي عاش فيها النبي وأصحابه؟، هنا يصبح الحديث عن «محبة النبي» موضع سؤال، والمسألة الأكثر حساسية أن السعودية تقول إنها مسلمة، وأنها تجعل خدمة الحرمين ومحبة النبي وصحابته جزءًا من خطاب شرعيتها وهويتها،
ومن ثم فإن السؤال لا ينبغي أن يكون:
هل يجوز شرعًا بناء قبة على قبر؟
ومن هنا يبدأ السؤال السياسي
عندما نضع هذه الصورة بجانب المشروع السعودي الجديد في خيبر ، يصبح من المشروع التساؤل عن التحول في فلسفة الدولة تجاه التاريخ، اليوم أصبحت الدولة السعودية نفسها تقود واحدة من أكبر عمليات البحث الأثري والحفظ والترميم في الجزيرة العربية، بالتعاون مع مؤسسات صهيونية ، فهل تغيرت النظرة إلى التراث؟ وإذا تغيرت، فلماذا لا تشمل الذاكرة الإسلامية في مكة والمدينة؟وهنا يدخل البعد السياسي الأوسع، فالسعودية تعيش في الوقت نفسه مرحلة إعادة تعريف لعلاقاتها الدولية، بما فيها علاقتها مع العدو الإسرائيلي، وقد أكدت الرياض رسميًا أن إقامة علاقات دبلوماسية مع العدو الإسرائيلي مرتبطة بقيام دولة فلسطينية، بينما استمرت واشنطن في دفع مسار التطبيع ضمن ترتيبات إقليمية أوسع.
من يكتب تاريخ الحجاز الجديد؟
هنا تتجاوز القضية الحجر، فالذي يملك القدرة على إزالة المكان أو حفظه، ثم تفسيره وعرضه للزوار، يملك جزءًا مهمًا من القدرة على تشكيل الرواية التاريخية، وحين يختفي بيت النبي من مكانه، ويختفي أثر الصحابي، وتتغير ملامح المقبرة، ثم يُعاد اكتشاف موقع يهودي وتقديمه للعالم بوصفه تراثًا إنسانيًا خالدًا، فإن السؤال يصبح، أي تاريخ نريد أن يبقى حاضرًا؟
ختاما ..
القضية الأكثر عمقًا هي، كيف يمكن لسلطة تقدم نفسها بوصفها خادمة للحرمين ومحبّة للنبي وصحابته أن تسمح، تاريخيًا، باختفاء مساحة واسعة من الذاكرة المكانية التي تحفظ حياة النبي وأصحابه وأهل بيته، ثم تنتقل اليوم إلى مرحلة تستثمر فيها بكثافة في اكتشاف الآثار اليهودية وحفظها وتسويقها عالميًا؟
وإذا كانت الدولة قد اكتشفت اليوم أن الحجر يمكن أن يكون مصدرًا للهوية والثقافة والسياحة والرواية، فإن السؤال المشروع هو،
أين ذاكرة النبي صلوات الله عليه وعلى آله؟
أين بيوته؟
أين بيوت أصحابه؟
أين مواقع بدايات الإسلام؟
أين الذاكرة العمرانية للإسلام؟
وأين مشروع «السيرة الحية» الذي يجعل المسلم يرى بعينيه الأماكن التي قرأ عنها في السيرة؟
فالمحبة لا تُقاس بالشعارات وحدها.
ومن يعلن محبته للنبي وصحابته ويقدم نفسه حاميًا لتراث الإسلام، يُسأل قبل غيره، ماذا فعل بآثار من أحب؟ وهنا تحديدًا تصبح خيبر سؤالًا أكبر من حصون، وتصبح مكة والمدينة سؤالًا أكبر من مبانٍ، إنها معركة على ذاكرة الاسلام، من يطمسها، ومن يعيد اكتشافها، ولأي رواية تُترك للأجيال القادمة؟
يمانيون