العلامة فؤاد ناجي: اتهام اليمن باستهداف مكة «فرية»، والمواقف تكشف من يحمي المقدسات
حوار |محمد ناصر حتروش
أكد نائب رئيس الهيئة العامة للأوقاف، العلامة فؤاد ناجي، أن ما تروّجه سلطة الرياض من اتهامات للشعب اليمني باستهداف البيت الحرام “فرية وافتراء واضح”، تستهدف تشويه اليمن ومواقفه التاريخية تجاه المقدسات، وصرف الأنظار عن مواقفه الداعمة لفلسطين وغزة والمسجد الأقصى. لافتا إلى أن النظام السعودي يوظيف هذه الرواية للتحشيد وتبرير عدوانه على اليمن، مؤكداً أن الإصرار عليها يأتي في ظل فشل التحالفات السابقة.
وانتقد العلامة ناجي في تصريح لموقع أنصار الله، علماء السوء لتبنّيهم هذه الرواية، معتبراً أنهم صمتوا تجاه الانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني والمسجد الأقصى، ودعا إلى التثبت من الأخبار وعدم الانسياق وراء الافتراءات.
ودعا نائب رئيس هيئة الأوقاف الأمة إلى عدم الانشغال بهذه الاتهامات عن القضية الفلسطينية، مؤكداً أن نصرة فلسطين والدفاع عن المسجد الأقصى والمقدسات يجب أن تتصدر الأولويات، ومشدداً على أن المواقف العملية هي المعيار الحقيقي في حماية المقدسات، مؤكداً استعداد الشعب اليمني للدفاع عن الحرمين الشريفين.
وفي ما يلي نص الحوار:
بداية ما تعليقكم على النبأ الذي تروّجه سلطة الرياض بشأن استهداف اليمنيين للبيت الحرام؟ وما دلالات هذه الاتهامات؟
بسم الله الرحمن الرحيم. الفرية التي تروّجها سلطة الرياض من أن أهل اليمن استهدفوا مكة المكرمة هي افتراء واضح، وإساءة أولاً إلى الكعبة المشرفة، وإساءة إلى الشعب اليمني، الذي ـ كما قال قائد الثورة ـ يحتفظ بحقه في مواجهة هذه الإساءة والافتراء والتشويه.
النظام السعودي يهدف من خلال هذه الفرية إلى تشويه الشعب اليمني وسجله الجهادي ومواقفه المشرفة تجاه المقدسات، وآخرها الوقوف مع غزة، والدفاع عن المسجد الأقصى، والدفاع عن القرآن والمولد النبوي الشريف. ويهدفون من خلال ذلك إلى تحشيد وتحريض الناس للقتال معهم، ولا سيما المغرر بهم والتكفيريين، إضافة إلى تبرير جرائمهم في العدوان على الشعب اليمني، وإحراج الأنظمة للمشاركة معهم في العدوان على اليمن، ولا سيما ما سُمّي بـ«تحالف مكة».
هم يريدون أن يقولوا لتلك الدول: ها هي مكة تتعرض للخطر، وعليكم أن تدافعوا عن مكة. وإذا تورطت تلك الأنظمة، فإن ذنوبها ستسوقها إلى اليمن، كما ساقَت أمريكا والنظام السعودي، وسيفشلون كما فشلوا في تحالفاتهم السابقة. وإذا كان لتلك الأنظمة من دور، فعليها أن تنصح النظام السعودي بالخروج من اليمن، وأن يكف عن شرّه وعدوانه على اليمن، وأن يوقف عدوانه على الشعب اليمني. وحينها سيرون النظام السعودي ومنشآته النفطية وكل أراضيه في أمن وأمان من قصف القوات اليمنية.

في ظل فشل التحالفات السابقة، لماذا يصر النظام السعودي على ترويج هذه الرواية وربطها بـ”الدفاع عن مكة”؟
النظام السعودي يصر على ترويج هذه الفرية بعد أن فشلت تحالفاته السابقة، وحتى تحالفاته الأخيرة، وبالتالي هو يريد أن يقول للمسلمين: تعالوا دافعوا عن مكة، مثلما يقول لهم في موضوع البحر الأحمر إن الملاحة يجب أن يكون لها عمل دولي لأنها ترتبط بالعالم. وهكذا يريد أن يقول إن مكة تخص كل المسلمين، وبالتالي هو يريد أن يضرب عصفورين بحجر: أن يستجلب قوات للدفاع عنه، بعد أن شاهد الانتصارات الكبرى التي تحققت للمجاهدين في الساحل، وبعد أن شاهد الضربات المسددة، وبعد أن أُحكِم الحصار عليه في البحر، وبعد أن عُطلت بعض المنشآت النفطية وتراجعت حصص إنتاجه النفطي، واعتذرت بعض الدول عن تصدير حصتها في الشهر القادم.
الإصرار على هذه الفرية هو نتيجة ضعف، وليس علامة على القوة، بل هو علامة على ضعفه وعلى تخبطه في هذه المرحلة؛ أشبه ما يكون بالثور الهائج المذبوح الذي لا يدري أين يتوجه بعد أن فُصل رأسه وضُرب في قرنه.

ما تقييمكم لمواقف بعض العلماء الذين تلقّفوا هذه الرواية وروّجوا لها؟ وما الدور الذي ترونه مطلوباً من علماء الأمة تجاه مثل هذه القضايا؟
هؤلاء علماء السوء، وعلماء الدفع المسبق، وعلماء البلاط والبترودولار. هؤلاء العلماء دنّسوا أنفسهم بالمال الحرام، وباعوا مواقفهم لمن يدفع أكثر. ولو كان اليمن يمتلك مالاً، لربما وقفوا مع الشعب اليمني. وإن كنا نريد منهم أن يقفوا مع الحق، لكنهم مستعدون لمن يدفع أكثر أن يتماهوا معه.
لقد صمتوا دهراً ونطقوا كفراً، وسكتوا عن جرائم استهداف المسجد الأقصى من قبل الصهاينة، وسكتوا عن استهداف أهل غزة على مدى عامين، وعن الجرائم الصهيونية بحقهم، وصمتوا أمام إساءة النظام السعودي للمقدسات، من خلال إهداء كسوة الكعبة للمجرم إبستين، ومن خلال فتح المراقص في بلاد الحرمين، واستجلاب المسيئين للذات الإلهية، وفتح الأجواء للطيران الصهيوني، وإقامة القواعد العسكرية الأمريكية لحماية الكيان الصهيوني.
في كل هذه الإساءات كان علماء السوء يقومون بدور الشاهد الذي لم يشاهد شيئاً، والحاضر الذي لم يرَ شيئاً، وصمتوا صمت أهل القبور، لكنهم انبروا وصحت ضمائرهم أمام الفرية والافتراء الذي نشره آل سعود، وليبوؤوا بالوزر الذي سيبوء به آل سعود. وهم بذلك يخالفون القرآن الكريم الذي يدّعون أنهم حملته، حين يقول: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، ويخالفون كذلك قوله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾. لكنهم ـ للأسف الشديد ـ خاضوا مع الخائضين، وشهدوا شهادة الزور، وستُكتب شهادتهم ويُسألون عنها.

ما الأدلة التي يستند إليها اليمن في نفي هذه الفرية، وإثبات موقفه التاريخي من المقدسات؟
نعرف بطلان هذه الفرية أولاً من خلال تاريخ اليمن وما شهد له به الرسول صلوات الله عليه وآله: «الإيمان يمان والحكمة يمانية»، ومن خلال دفاع الشعب اليمني عن المسجد الأقصى، وهو ثالث الحرمين، فكيف بالحرمين الأول والثاني؟ ونعرف ذلك من خلال أصالة هذا الشعب وعظمته ومواقفه المشرفة، ومن خلال تاريخه الحافل بالدفاع عن المقدسات.
وهذه الفرية والافتراء والإفك لا تحتاج إلى رد، لولا أن هناك من العلماء من حاولوا أن يتحدثوا عن هذه القضية، فسكوتنا ربما يكون موهماً بأننا قبلنا بها وأنها وقعت منا، وبالتالي احتجنا إلى الدفاع ومواجهة هذه الفرية التي تعتبر إساءة إلى الشعب اليمني وإساءة إلى المقدسات. ونحن شعب اليمن، الذي ما عرف المسلمون شعباً أكثر دفاعاً وحرصاً وغيرة على المقدسات منه.

ما موقفكم ممن يتلقّف هذه الفرية ويصدر أحكاماً بإدانة اليمن، وما الذي كان ينبغي عليهم فعله؟
من تلقّف هذه الفرية وأدان اليمن هم مرتزقة، سواء كانوا أنظمة أو كيانات أو جماعات أو شخصيات، وحالهم حال النظام السعودي؛ يشتركون معه في جريمته ويدلون بشهادة الزور على هذا الشعب اليمني. كان اللازم عليهم أن يتحرّوا، وأن ينصحوا النظام السعودي بأن يكف عدوانه على اليمن. وهم يعرفون أن النظام السعودي يستخدم المشاعر المقدسة في سياساته، ويدخلها في أتون صراعاته، ويستخدم إظهار المظهر الديني، في حين أنه متخلّص من القيم الدينية والتعاليم الإسلامية، ولا أدل على ذلك من تطبيعه مع الصهاينة، وفتح الأجواء لهم، ومن اتفاقية التطبيع التي أُعلن عنها مقابل النووي المدني، الذي لن يراه ولن يتحقق.

أمام هذا السجال، من وجهة نظركم، من الذي يثبت عملياً أنه يحمي المقدسات ويدافع عنها؟
من الذي حمل المقدسات فعلاً؟ من الذي دافع ضد الإساءة إلى الرسول؟ من الذي دافع ضد الإساءة إلى القرآن؟ من الذي واجه انتهاك قطعان الصهاينة لباحات المسجد الأقصى؟ ومن الذي أوصل رسائل أن العدوان على المسجد الأقصى يعتبر حرباً إقليمية لن تتوقف عند حدود المسجد الأقصى وفلسطين؟ من الذي دافع عن أهل غزة؟ إنه الشعب اليمني. لكن، من الذي فتح المراقص في بلاد الحرمين؟ ومن الذي أهدى كسوة الكعبة للمجرم إبستين وهو ليس مسلماً، وصاحب تاريخ أسود وسجل إجرامي حافل يعرفه القاصي والداني؟ ومن الذي دمّر آلاف المساجد في اليمن؟ إنه النظام السعودي. ومن الذي لم يدع محرماً لله إلا انتهكه؟ إنه النظام السعودي.
وبالتالي أصبح العالم يعرف من يحمي المقدسات، ومن يبيع، ومن هو الذي عطّل دور الحرمين الشريفين عن استنهاض الأمة للقيام بدورها في مواجهة الهيمنة الأمريكية والصهيونية.
في ظل استمرار الحرب على غزة وما تشهده المنطقة، كيف ينبغي للأمة أن تتعامل مع القضية الفلسطينية، وألا تتحول هذه الاتهامات إلى وسيلة لإبعاد الأنظار عنها؟
فلسطين وقضايا الأمة هي واجب الأمة في هذه المحنة، ولا ينبغي أن يشغلنا النظام السعودي بهذه الترهات والأكاذيب عن نصرة القضية الفلسطينية. وواجبنا -كما قال قائد الثورة بالأمس- أن نقول لأولئك الذين صحت ضمائرهم في الدفاع عن الكعبة: إن كنتم أهل صحوة وغيرة على المقدسات، فتعالوا لنتحالف أو لنتنافس للدفاع عن المقدسات، ولنبدأ من المسجد الأقصى، ولنبدأ من المسجد الحرام. أن نمنع الإساءة إليه وانتهاك حرمته، وأن نطالب بلجنة تحقيق في كيفية وصول تلك الكسوة من الكعبة إلى إبستين، وأن نمنع حفلات الرقص في بلاد الحرمين الشريفين، ونمنع الصهاينة من عبور الأجواء، ونمنع القواعد العسكرية الأمريكية التي تحمي الكيان الصهيوني.
حينها نكون قد حمينا المقدسات ودافعنا عنها، كما ينبغي طرد الشركات الأمنية الإسرائيلية من إدارة الحرمين الشريفين، ومنع دخول الصهاينة إلى جبل عرفات وإلى المسجد النبوي، كما حصل في الأعوام الماضية. هذه الأعمال هي التي يمكن أن تثبت من هو الصادق في الغيرة على المقدسات ومن هو الكاذب.
ونقول للأنظمة والعملاء والعلماء: إذا كانوا صادقين في حماية المقدسات، فليحموا فلسطين، وليدافعوا عن القرآن، وليردوا على ترامب في إساءته إلى الكعبة؛ حينها سنصدق أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

في ختام حديثكم، ما واجب الأمة الآن، وما مصدر الخطر الحقيقي على المقدسات من وجهة نظركم؟
واجب الأمة الآن هو أن تتنبه للخطر على المسجد الحرام من آل سعود.
هل نحن نخشى أن يستهدف النظام السعودي الحرم النبوي أو الحرم المكي، ثم يريد أن يلصق ذلك بالشعب اليمني المجاهد الصامد الصابر المؤمن، الذي أرواحه كلها للحرمين المكي والمدني فداء؟
نحن مستعدون لأن نبذل أرواحنا دفاعاً عن أصغر حجرة في مكة المكرمة، ناهيك عن الكعبة المشرفة. لكن الذي يشكل خطراً عليها هو النظام السعودي، الذي أسلم سلسلة الفنادق لشركات صهيونية، والمطاعم لشركات صهيونية، والجانب الأمني لشركات صهيونية، ويمنع حتى في الحرم المكي من الدعاء لغزة أو من جمع التبرعات في المملكة لصالح أبناء فلسطين، وهو الذي دنّس المسجد الحرام والمسجد النبوي بحفلات الترفيه والمجون والانحلال.
هذه هي المواقف التي تكشف من يدافع عن المقدسات فعلاً، ومن يستخدمها في خدمة سياساته.
وصلى الله على محمد وآله وسلم.
