شراهة السعودية في صفقات السلاح تكشف حجم العدوان على اليمن
تقرير | وديع العبسي
منذ اليوم الأول للعدوان على اليمن، اعتمدت العسكرية السعودية على شبكة واسعة من صفقات التسليح المبرمة مع قوى غربية مُنتجة، وبخاصة الولايات المتحدة التي مثلت المورّد الأكبر والأبرز للعتاد والدعم اللوجستي والاستخباراتي للرياض، إلى جانب بريطانيا التي شاركت بقوة في توريد المقاتلات والذخائر وبرامج الدعم الهندسي والصيانة، فضلاً عن دول أوروبية أخرى مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا.
شملت الصفقات الضخمة طيفاً واسعاً من التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، وتركزت في قطاعات الطائرات الحربية والمروحيات مثل طائرات f15، وتورنادو ويوروفايتر تايفون والطائرات بدون طيار ومعدات الطيران وقطع الغيار، إضافة إلى الترسانات الهائلة من الذخائر والقنابل الموجهة وصواريخ جو-أرض وقذائف ومعدات التشويش والإجراءات المضادة، ومظلات واسعة من أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة لحماية الأجواء والمنشآت الحيوية، والآليات والمعدات البرية والبحرية، ناهيك عن عقود الصيانة والتدريب الميداني وتوفير الوقود للعمليات الجوية.
تدمير طال كل شيء
لم تكن هذه الصفقات عابرة لمرّة أو مرتين، وإنما امتدت طوال سنوات العدوان، ليستمر معها التدفق السنوي المتواصل للسلاح إلى السعودية، ما يشير إلى حجم الاستهلاك، فلم يكن شراؤها مجرد استعراض لعضلات الترسانة العسكرية أو تكديس روتيني للعتاد في المخازن، وإنما كان دلالة قاطعة وعملية على الاستهلاك المباشر والمستمر لهذه الترسانة على رؤوس اليمنيين وبنيتهم التحتية، حيث تحولت الأراضي اليمنية إلى مسرح مفتوح ومختبر حي لتفريغ حمولات تلك الصفقات الهائلة.
وطال هذا الاستهلاك الممنهج والتدمير بالعتاد المستورد كل مناحي الحياة في اليمن (الخدمية والاقتصادية والاجتماعية)، فشملت الغارات والضربات المدفعية والصاروخية المزارع والأسواق الشعبية، ومحطات المياه والكهرباء، والجسور والطرقات العامة، والمدارس والمستشفيات، والمصانع الإنتاجية التي تعيل ملايين السكان ومقومات الإنتاج الأساسية، وحتى مخيمات النزوح ومجالس العزاء والأفراح، في استباحة شاملة أفرغت صفقات المليارات الغربية في تدمير مقومات البقاء لأفقر شعوب المنطقة.
وفي الوقت ذاته كانت عقود الصيانة السنوية وتدفق شحنات الذخائر والقنابل الذكية والموجهة تتجدد دورياً لضمان استمرارية هذه الماكينة التدميرية دون توقف، وكأن آلة الحرب الكبرى وُجدت لكي تستهلك مخزونها الباهظ من الدمار فوق المدنيين العزل وعلى جغرافية تم استهداف حَجَرها وبشرها بلا هوادة.
شهادة المنظمات على حجم العدوان
التدفق الهائل للأسلحة وبصورة لافتة واستخدامها المفرط على الشعب اليمني أثار في بعض محطات الكارثة موجة واسعة من الانتقادات والاستنكار الحقوقي والدولي؛ حيث أشارت تقارير صادرة عن منظمات حقوقية عالمية بارزة مثل منظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش مراراً إلى أن استمرار تدفق شحنات الأسلحة الغربية وفتح عقود الصيانة والذخائر للسعودية بهذا الشكل يمثل “تواطؤاً مباشراً في انتهاكات صارخة للقانون الدولي الإنساني”، معبرة عن صدمتها واستغرابها الشديدين من إعطاء المصالح التجارية وصفقات المليارات الأولوية المطلقة على حساب أرواح المدنيين اليمنيين.
كما نقلت تقارير لشبكة “التحالف من أجل رقابة الأسلحة” عن باحثين ومراقبين استنكارهم البالغ لـ”إغراق المنطقة بأسلحة متطورة تُستخدم بشكل ممنهج لإبادة البنية التحتية لدولة محاصرة”، مشيرة إلى أن استمرار تدفق الطائرات المقاتلة والقنابل الموجهة يعكس تجرداً كاملاً من الاعتبارات الإنسانية.
إلى ذلك، انتقدت تقارير لمراكز أبحاث مستقلة -مثل مركز السياسة الدولية (CIP)- استمرار تقديم الدعم اللوجستي والاستخباراتي وتوفير قطع الغيار، مؤكدة أن الصفقات المتكررة تحولت إلى “غطاء مفتوح لاستنزاف حياة المدنيين وتعميق واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية المعاصرة”.
الأولى عالميا في شراء الأسلحة
وخلال سنوات العدوان وكثافة العمليات العسكرية المستمرة ضد اليمن، مع التدفق المنتظم والمستمر للأسلحة تصدرت السعودية قمة الهرم العالمي في شراء الأسلحة، وقد صنفتها تقارير مراكز الأبحاث الدولية ومعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام كواحدة من أكبر مستوردي الأسلحة في العالم، حيث استحوذت بمفردها خلال هذه الفترة على ما بين ثمانية إلى أحد عشر بالمائة من إجمالي تجارة الأسلحة على مستوى الكوكب، لتكون الوجهة الأولى بلا منازع لصادرات السلاح الأمريكية والغربية في الشرق الأوسط، وتتدرج استراتيجياً كدولة ذات ميزانية “دفاعية” ضخمة واعتماد شبه كلي على التكنولوجيا الغربية.
وقد استمرت سلسلة الصفقات المليارية وعقود الشراء الضخمة تتوالى عاماً بعد عام، محاطة بغطاء سياسي ودبلوماسي غربي وفرتها عواصم القرار في واشنطن ولندن وباريس، ومصحوبة برخص تصدير مفتوحة لم تنقطع حتى في ذروة الانتقادات الحقوقية الدولية. وهذا الحجم الهائل من التسلح جعل السعودية تمتلك ترسانة من أحدث ما أنتجته مصانع السلاح في العالم، مدعومة بمنظومات قيادة وتحكم وسيطرة وتجسس واستطلاع متطورة للغاية، فقد كانت تهدف في عقيدتها العسكرية إلى حسم المعركة سريعاً وفرض تفوق مطلق جواً وبراً وبحراً، وتأمين الممرات الحيوية وتدفق الطاقة العالمية وفق رؤية استراتيجية متكاملة تشارك فيها أحدث البوارج والمدمرات والمنظومات الرادارية الحديثة.
المسار الذي انبثق من رحم الحاجة
وفي المقابل تماماً لهذه الصورة المتخمة بالعتاد والمليارات التي استهدفت كل شيء في اليمن، كانت الدولة الفقيرة والمستهدفة والمحاصرة تعاني من انعدام تام لأي صفقات خارجية وعدم القدرة على شراء طلقة واحدة. مع ذلك، لم تستسلم هذه البيئة المحاصرة لمنطق الفارق المادي، بل هندست مساراً استثنائياً للتعويض عن عجز الترسانة التقليدية عبر الابتكار المحلي والتصنيع الذاتي، متجاوزة قيود الحصار الشامل والدمار، لتنتج -محلياً- ترسانة متكاملة من الطائرات المسيرة الاستطلاعية والهجومية والانتحارية ذات المديات البعيدة، والصواريخ الباليستية والمجنحة القادرة على تجاوز أحدث منظومات الدفاع الجوي الغربية، فضلاً عن الزوارق السريعة والأسلحة البحرية التي كان لها حضورها في كتابة قواعد الاشتباك في الممر المائي الحساس لباب المندب والبحر الأحمر.
هذا المسار العصي على الانكسار انبثق من رحم الحاجة الملحة والاعتماد على الذات؛ وقد تمكنت الكوادر المحلية -فعليا بتوفيق من الله سبحانه- من إعادة تدوير المتاحات البسيطة، وتحويلها إلى أدوات ردع فاعلة استطاعت الوصول إلى العمق الحقيقي للبنى التحتية الاقتصادية للسعودية والكيان الاسرائيلي. ومثّل هذا التحول الميداني والاستراتيجي الذي أفرزته سنوات المواجهة الطويلة انقلاباً جذرياً في المفاهيم العسكرية التقليدية، سقطت فيها الاعتبارات المطلقة للتفوق العددي والمالي أمام إرادة الاكتفاء الذاتي والتصنيع المحلي. فالسعودية التي أنفقت عشرات ومئات مليارات الدولارات على أحدث ما تنتجه مصانع السلاح في واشنطن ولندن وباريس، وجدت نفسها -في نهاية المطاف- في مواجهة مباشرة مع منظومات محلية الصنع أُنتجت في ظروف بالغة التعقيد والفقر والحصار.
يؤكد المراقبون ان هذه القدرات المصنعة محلياً مرغت -بصورة تابعها كل العالم- أنف السعودية في التراب، تماما كما حدث مع أمريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا والكيان، كما أثبتت أن استمرارية الصفقات السنوية الضخمة والعقود العسكرية المليارية لا تشكل بالضرورة ضمانة لتحقيق التفوق الاستراتيجي الحاسم في مسرح العمليات، فهذه القوى اصطدمت بجدار صلب من الابتكار العسكري غير التقليدي الذي أعاد رسم الخطوط الحمر في المنطقة، وأجبر تلك القوى على إعادة حساباتها الأمنية والعسكرية بشكل كامل.
الميدان الذي تهاوت فيه نظريات التفوق التقليدي
هكذا فضح التدفق المستمر للأسلحة مقدار الإجرام الذي جرى ممارسته ضد الشعب اليمني، فصفقات شملت كل أنواع السلاح، وبلغت كلفتها مئات المليارات من الدولارات، كانت تُستهلك في العمليات العدوانية ضد اليمنيين. وهذا ما يفسر حجم الدمار الذي لم يستثني شيئا. إلا أنه مع ذلك لم يحقق أي هدف بقدر ما سرّع من ظهور قوة رادعة باتت تشكل رقما لا يمكن تجاوزه، إذ تحولت سنوات العدوان على اليمن إلى ميدان فعل تهاوت فيه نظريات التفوق التقليدي القائمة على الوفرة المالية، لتبرز في المقابل معادلة جديدة قوامها التكيف، والابتكار الذاتي، والقدرة على إعادة تدوير الموارد المتاحة لصناعة الردع في وجه أعتى ترسانات العالم وأكثرها تطوراً.
وبمقارنة بسيطة بين مئات مليارات الدولارات التي أُحرقت في عقود التسلح السعودية السنوية التي خصصت لاستهداف اليمنيين، وبين الكلفة البسيطة لتطوير القدرات المحلية اليمنية، يتكشف بوضوح عمق الهوة بين منطق الاستهلاك العسكري التابع ومنطق الإنتاج المقاوم. لقد أثبتت التجربة أن الجيوش لا تقاس بحجم صفقات السلاح التي تعقدها، ولا بنوعية المنظومات المستوردة من المتاجر الغربية لتدمير الأوطان، وإنما بقدرة الإنسان على تطويع الصعاب واستنباط حلول مبتكرة من قلب الركام والحصار، وهو ما جعل الجانب اليمني -رغم فقره- وحصاره يفرض نفسه رقماً صعباً ومعادلة إقليمية لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات مستقبلية لأمن المنطقة واستقرارها.
موقع أنصار الله .