أنباء عن اعتقال صهر العليمي في الرياض
بقلم . طلال الغادر
في مشهد تحولات ومتغيرات نادرة، تحولت المعركة في البحر الأحمر إلى ساحة اختبار لنماذج جديدة من القوة، حيث فرضت القوات المسلحة اليمنية خلال شهر واحد فقط ثلاث معادلات استراتيجية، أعادت تشكيل موازين الصراع وكسرت الطموحات السعودية الرامية لتعويض خسائرها النفطية.
معادلة “الحصار بالحصار” حققت إنجازًا غير متوقع، متجاوزة كافة التقديرات المرسومة؛ فمنذ إعلان القرار في 20 يوليو الفائت، تمكنت قواتنا المسلحة من استهداف 8 سفن نفطية سعودية، ومنع وإجبار 48 سفينة أخرى على العودة، موزعة بواقع 14 في البحر الأحمر و34 في البحر العربي والمحيط الهندي.
وهذا النجاح لم يأت من فراغ، وإنّما هو ثمرة وامتداد لإنجازات سابقة تحققت طيلة عامين من معركة “الفتح الموعود والجهاد المقدس”، والتي شملت عمليات استهداف لأكثر من 228 سفينة، ما منح العمليات اليمنية موثوقية ومصداقية عالية لدى شركات الشحن بأن صنعاء تمتلك القدرة الكاملة على التنفيذ الفعلي، لا مجرد إطلاق التهديدات.
ولعل الأكثر إيلامًا للعدو السعودي، هو استهدافه في البحر الأحمر أمام “ينبع”، ما مثل ضربة قاصمة له بعد أن كان يراهن بشدة على مسار العبور والتصدير عبر ميناء ومنصة ينبع، حيث يُنقل عبره أكثر من 80% من صادرات المملكة النفطية، وهو ما كسر الطموحات السعودية الرامية للاستفادة من ارتفاع أسعار النفط، وأثبت أن البحرية اليمنية باتت تحكم سيطرتها الكاملة على مختلف البحار المجاورة.
ويكشف خبراء عسكريون عن أبعاد أعمق للعمليات الأخيرة، كونها عمليات استباقية عالية الدقة، نجحت في إحباط مشاريع عدوانية كبرى كان النظام السعودي يخطط لتنفيذها عبر أدواته في الداخل اليمني، وكان يجهز ساعة الصفر، لشن عمليات داخلية واسعة، بهدف إشغال الجيش اليمني في مواجهات جانبية، لكن العمليات اليمنية المباغتة نسفت هذه المخططات قبل أن تولد، وأثبتت امتلاك اليمن قدرات استخباراتية استثنائية، مكنته من تحديد مراكز ثقل العدو وتحشيداته البشرية والمادية بدقةٍ متناهية.
كما أن ضربات القوة الصاروخية والمسيّرة حققت أهدافها بتدمير المخازن الاستراتيجية واستهداف مخازن الأسلحة والآليات التي جمعتها السعودية والإمارات في مناطق حيوية كالساحل الغربي، ومأرب، والجوف، وحضرموت، ما أفقد أدوات التحالف القدرة على التحرك وفق الخطط المرسومة.
وهذا ما يتضح من المزاعم الإعلامية التي تروجها الأبواق حول استهداف منشآت مدنية وتؤكد على أنه صراخ يعكس حالة الانكسار؛ إذ أن الصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة تذهب إلى إحداثيات عسكرية دقيقة ومدروسة، كما شاهدها العالم في مقاطع الطائرة المسيّرة رجوم.
وفي الشق الاقتصادي، يرسم خبراء الاقتصاد صورة قاتمة للمشهد السعودي، فالعمليات العسكرية اليمنية كسرت وأربكت الصادرات السعودية، بالتزامن مع التطورات في مضيق هرمز، ما أسفر عن تكبد السعودية خسائر تتراوح ما بين 400 إلى 500 مليون دولار يوميًّا؛ فالموازنة العامة السعودية تواجه اليوم ضغوطاً غير مسبوقة خلال العام الحالي 2026م، حيث تُظهر الأرقام الرسمية عجزًا ماليًا في الربع الأول تجاوز 125 مليار ريال، مع توقعات بارتفاع العجز السنوي ليتجاوز 290 مليار ريال، مقارنة بتقديرات أولية كانت لا تتجاوز 165 مليارًا، فيما أغلقت موازنة العام الماضي على عجز بلغ 245 مليار ريال.
الارتفاع هذا يمثل قفزة نوعية في حجم العجز المالي السعودي بنسبة قاربت 250%، ما ينذر بتداعيات هيكلية عميقة، ويجبر الرياض على اللجوء المتسارع إلى الأسواق المالية الدولية للاستدانة لتغطية الفجوات التمويلية المتسعة، ويستدعي التوقف عند الدروس القرآنية التي تقدمها سورة القصص، حيث تتجلى سنة الله في إنقاذ المستضعفين وتمكينهم في الأرض. يقول تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} (القصص:5)، وقوله: {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} (القصص:6).
فكما ربط الله على قلب أم موسى حين ألقت ابنها في اليم، وثبتها على أداء مهمتها رغم الخطر، وكما ألقى المحبة على موسى في قلوب أعدائه فحموه؛ فإن القوات المسلحة اليمنية اليوم تثبت سيادتها وتفرض معادلاتها، مؤكدةً أن الجغرافيا حين تُستثمر بذكاء، وبثقة بالله، تصبح سلاحًا يفوق أقوى الأساطيل.
وفي المقابل، فما بعد البيان اليمني ما قبل الأخير والذي لم يُغفل البُعد السياسي، فحدّد شروطاً خماسية واضحة لوقف التصعيد: “رفع الحصار، وإنهاء العدوان، ودفع المرتبات، ورحيل المحتلين، وترك ثروات الشعب للشعب، وتحذير صريح؛ بأن أي تصعيد شامل سيواجه بتصعيد شامل”.
وبالنتيجة؛ فالرسالة التي تخرج بها صنعاء اليوم واضحة، ولم تعد السعودية وحدها من يحدّد مكان المعركة وزمانها وكلفتها، والحصار لم يعد مكلفًا فقط، بل أصبح مرعبًا، والتحشيد لم يعد آمنًا، وانتهاك السيادة لن يمر دون رد، وبات أمام بن سلمان خياران لا ثالث لهما: إمّا الاستمرار في مسار التهدئة وتنفيذ النقاط المتفق عليها، أو الذهاب نحو تصعيد تُدرك صنعاء كيف تتعامل معه، بعد أن فرض اليمن خريطة جديدة، والبحر الأحمر يتحول إلى هرمز آخر، ويغير موازين القوة في المنطقة، وعلى العالم أن يقرءها باللغة التي يريدها، والسلام.