من باب المندب إلى شرايين الاقتصاد السعودي شمالًا
بقلم. سند الصيادي
حين نجحت القواتُ المسلحة اليمنية، بفضل الله، في إحكام الحصار البحري على الملاحة المرتبطة بالسعودية عبر باب المندب، اضطرت السفن النفطية السعودية إلى سلوك مسارات بديلة شمالي البحر الأحمر، متحمّلةً مزيدًا من الكلفة والتأخير.
غير أن القرار اليمني لم يتوقف عند هذا المستوى من الضغط؛ إذ جاء بيان الأربعاء برسالة حاسمة مفادها أن تغيير المسارات لن يبدّل جوهر المعادلة، وأن العمليات ستلاحق السفن المستهدفة حيثما اتجهت، حتى تُغلق جميع المنافذ المستخدمة للالتفاف على الحصار.
وقبلها، كانت الرسالة اليمنية واضحة على لسان السيد القائد، مستندةً إلى تفويض شعبي منقطع النظير، ولا تحتمل كثيرًا من التأويل: الضغط سيمضي في مسار تصاعدي ما لم تُلبَّ مطالب الشعب اليمني، ويُرفع الحصار، وتُصن سيادة البلاد، ويتوقف التدخل في شؤونها.
وانطلاقًا من هذا الموقف، فإن أي محاولة سعودية للالتفاف على هذه الاستحقاقات ستُقابل بتوسيع أدوات الضغط ورفع مستوياته.
ويكشف هذا التصعيد عن توجه يمني لفرض معادلة متكاملة تمتد من البحر إلى الجو والبر، وتتسع دائرتها كلما حاولت الرياض البحث عن مخارج مؤقتة أو مسارات بديلة تعزل اقتصادها عن تبعات خياراتها السياسية والعسكرية.
وفي قلب هذه المعادلة يقف النفط بوصفه أكثر نقاط الرياض حساسية؛ فأي اضطراب في شحناته، أو ارتفاع في كلفة التأمين والنقل، قد يراكم خسائر تمتد آثارها إلى الإنتاج والاستثمار والثقة الدولية.
لقد ظل اليمن سنوات طويلة يدفع كلفة حرب وحصار استهدفا اقتصاده، وموانئه، ومطاراته، وحياة مواطنيه، فيما راهنت السعودية على أن استمرار الضغط سيُنهك المجتمع اليمني ويفرض عليه القبول بالأمر الواقع.
غير أن النتيجة جاءت معاكسة؛ إذ صنعت سنوات المواجهة خبرات متراكمة، وقدرات متنامية، وأدوات ردع نقلت اليمن من موقع المتلقي للضربات إلى موقع الطرف القادر على التأثير وفرض المعادلات.
والسعودية، رغم ما تمتلكه من مال وسلاح وعلاقات دولية، لا تستطيع شراء استقرار دائم وهي في حالة عداء مفتوح مع اليمن.
يمكنها استقدام المزيد من منظومات الدفاع، وتوقيع اتفاقات أمنية، والاستناد إلى الحضور الأمريكي في المنطقة، غير أن هذه الإجراءات لا تعالج أصل المشكلة ولا جذور الصراع، وإنما تزيده تعقيدًا واتساعًا.
وأي تحالف يُقام لاستهداف اليمن سيُعد امتدادًا مباشرًا للعدوان، وسيدفع بالمواجهة إلى مستويات أشمل، بما قد يجعل القواعد والمصالح الأجنبية المشاركة فيه ضمن دائرة الرد.
لقد اختارت السعودية أن تمضي في إيذاء الشعب اليمني والتضييق عليه، فاختار اليمن أن يجعل تجاهل حقوقه مكلفًا، وأن ينتقل من انتظار رفع الحصار إلى امتلاك أدوات قادرة على كسره وفرض إنهائه.
والمشهد اليوم يتصل بمستقبل العلاقة بين بلدين متجاورين لا غنى لأحدهما عن استقرار الآخر؛ فإما سلام يقوم على الندية، واحترام السيادة، وحسن الجوار، وإما صراع مفتوح تتسع دائرته وتتضاعف كلفته مع كل مرحلة.
وما يزال طريق السلام واضحًا، أقل كلفةً من كل مسارات التصعيد، وأكثر ضمانًا لأمن البلدين واستقرار المنطقة، ولا يحتاج هذا الطريق سوى قرار سياسي شجاع يقرأ الواقع كما هو، ويتخلى عن أوهام الوصاية، ويفتح صفحة جديدة تقوم على احترام سيادة اليمن، ووقف التدخل في شؤونه، والوفاء الكامل بحقوق شعبه.