بيان القوات المسلحة اليمنية.. رسائل ردع واستباق للتصعيد وترسيخ لمعادلة “الحصار بالحصار”


جاء البيان الصادر عن القوات المسلحة اليمنية في توقيت بالغ الحساسية، ليعكس انتقالًا في مسار المواجهة من مرحلة الرصد والتحذير إلى مرحلة المبادرة العسكرية الاستباقية، في ظل ما وصفه البيان بتحشيدات عسكرية سعودية واسعة كانت تستعد لتنفيذ تصعيد جديد ضد المحافظات الحرة، وبذلك لا يقتصر البيان على الإعلان عن عملية عسكرية، بل يحمل جملة من الرسائل السياسية والعسكرية والاستراتيجية التي تتجاوز ميدان المعركة لتعيد رسم قواعد الاشتباك وتؤكد استمرار معادلات الردع التي فرضتها القوات المسلحة اليمنية خلال السنوات الماضية، ويكشف البيان أن العملية العسكرية جاءت استنادًا إلى معلومات استخباراتية ورصد ميداني لتحركات عسكرية اعتُبرت في مراحلها الأخيرة، وهو ما يقدم العملية باعتبارها ضربة استباقية استهدفت تعطيل أي هجوم قبل انطلاقه، في رسالة تؤكد امتلاك القوات المسلحة القدرة على المتابعة الدقيقة والاستجابة السريعة لأي تهديد.

أعده للنشر | طارق الحمامي

 

 

من الدفاع إلى المبادرة الاستباقية

أبرز ما يميز البيان هو أنه يقدم مفهومًا جديدًا لإدارة المعركة يقوم على منع الخصم من امتلاك زمام المبادرة، فالعملية استهدفت التحشيدات قبل تحركها، بما يعكس تحولًا في العقيدة العملياتية من الاكتفاء برد الفعل إلى تنفيذ عمليات وقائية تهدف إلى إفشال خطط الخصم وإرباك استعداداته العسكرية، كما أن استهداف عدد من المواقع والمعسكرات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة في وقت واحد يشير إلى اعتماد تكتيك الضربات المركبة والمتزامنة، بما يعزز من تأثير العملية ويحد من قدرة الطرف الآخر على امتصاصها أو التعامل معها.

 

رسائل ردع مباشرة إلى السعودية

يحمل البيان نبرة تحذيرية واضحة، إذ يؤكد أن أي تصعيد سعودي ستكون له عواقب مباشرة، وهو ما يعكس استمرار سياسة الردع التي تقوم على تحميل الطرف الآخر مسؤولية أي تصعيد جديد، وتكشف لغة البيان أن القوات المسلحة تسعى إلى تثبيت معادلة مفادها أن زمن التحركات العسكرية دون تكلفة قد انتهى، وأن أي محاولة لإعادة إشعال الجبهات ستقابل برد واسع ومباشر يستهدف مصادر القوة والتحشيد.

 

ترسيخ معادلة “الحصار بالحصار”

يعد التأكيد على استمرار معادلة “الحصار بالحصار” أبرز المضامين الاستراتيجية في البيان، إذ يعكس تمسك القوات المسلحة بهذه المعادلة باعتبارها وسيلة ضغط لإجبار الطرف الآخر على إنهاء الحصار المفروض على اليمن،
ويشير ذلك إلى أن قضية الحصار ما تزال تمثل أولوية في الخطاب العسكري والسياسي، وأن أي عمليات مستقبلية ستظل مرتبطة بهدف إنهاء هذا الحصار.

 

إبراز تطور القدرات العسكرية

يكشف البيان عن استمرار الاعتماد على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة كأسلحة رئيسية في تنفيذ العمليات بعيدة المدى، وهو ما يعكس تطورًا في القدرات العسكرية من حيث التخطيط والتنسيق والقدرة على إصابة أهداف متعددة في توقيت واحد، كما أن الإعلان عن استهداف معسكرات وتحشيدات ومخازن وآليات عسكرية يوحي بأن العمليات لم تقتصر على الأفراد، بل استهدفت أيضًا البنية اللوجستية التي يعتمد عليها الخصم في أي تصعيد محتمل.

 

رسائل داخلية لتعزيز الجبهة الوطنية

لم يقتصر البيان على مخاطبة الخصم، بل وجه رسائل مباشرة إلى الداخل اليمني، من خلال التأكيد على جاهزية القوات المسلحة لمواجهة أي تصعيد، والدعوة إلى مواصلة حالة الاستنفار الشعبي، ويعكس ذلك حرص الخطاب على تعزيز الثقة الشعبية في الجاهزية العسكرية، وربط الجبهة العسكرية بالجبهة الداخلية باعتبارهما عنصرين متكاملين في إدارة المواجهة، كما خص البيان المغرر بهم بدعوة لمغادرة معسكرات العدو السعودي والعودة إلى مناطقهم، وتقديم فرصة للعودة قبل أي عمليات عسكرية لاحقة.

 

البعد السياسي للبيان

سياسيًا، يؤكد البيان أن خيار التصعيد لن يؤدي إلى تغيير الموقف اليمني، بل سيدفع إلى توسيع نطاق الرد العسكري، كما يعكس تمسك صنعاء بخطاب يعتبر أن إنهاء الحصار يمثل المدخل الأساسي لأي تهدئة أو استقرار، ومن زاوية أخرى، فإن توقيت البيان يعكس رغبة في توجيه رسالة إلى الأطراف الإقليمية والدولية بأن أي تحركات عسكرية جديدة قد تؤدي إلى اتساع دائرة المواجهة، وهو ما يمنح البيان بعدًا سياسيًا يتجاوز ميدان العمليات.

 

دلالات التوقيت

صدور البيان في هذه المرحلة يحمل عدة دلالات، أبرزها التأكيد على جاهزية القوات المسلحة للتعامل مع أي تطورات ميدانية.

وتوجيه رسالة استباقية لمنع أي محاولة لتغيير موازين القوى عسكريًا، وكذا تثبيت معادلات الردع التي أُعلنت خلال السنوات الماضية، وربط أي تصعيد مستقبلي بملف الحصار باعتباره القضية المركزية في مسار الصراع.

 

ختاما ..

يعكس البيان الصادر عن القوات المسلحة اليمنية خطابًا يجمع بين الإعلان العسكري والرسائل السياسية والاستراتيجية، ويقدم العملية المعلنة باعتبارها خطوة استباقية تهدف إلى إحباط تحركات عسكرية معادية وتأكيد الجاهزية لمواجهة أي تصعيد، كما يكرس استمرار معادلة “الحصار بالحصار” بوصفها أحد أبرز مرتكزات الخطاب العسكري، ويؤكد أن مسار المواجهة سيظل مرتبطًا بملف إنهاء الحصار، مع استمرار توجيه رسائل الردع للخصوم ورسائل التعبئة والطمأنة للداخل اليمني.

 

يمانيون .