كيف صنع العدوان السعوديّ قناعةَ اليمنيين بحتمية المواجهة؟
بقلم. علي هراش
لقد قطع شعبنا اليمني اليوم، بعد كُـلّ هذه السنوات الطويلة من العدوان والحصار والتآمر المُستمرّ، شوطًا كَبيرًا ومتقدمًا من النضج السياسي والعسكري والتاريخي.
وتراكمت لديه من الخبرات والوعي ما جعله يقرأ تفاصيل المشهد الإقليمي والدولي بعمق وإحكام، مدركًا أن مواجهة المحتلّ السعوديّ كانت وما زالت ضرورة حتمية فرضتها طبيعة الصراع الوجودي، وواقع السياسات السعوديّة العدوانية التي لا تتقن في قاموسها سوى لغة القوة والهيمنة والاستعلاء.
وما شهدناه وعشناه خلال السنوات الماضية، منذ انطلاق هذا العدوان الغاشم في مارس من العام 2015م، كان كافيًا ووافيًا ليكشف للجميع وبصورة لا تقبل الشك أن النظام السعوديّ لم يأتِ إلى اليمن حاملًا غصن زيتون أَو مشاريع بناء، فقد جاء يحمل أسلحة الموت والدمار، ويخطّطُ لنهب الثروات السيادية، وفرض الوصاية المطلقة، وتفتيت النسيج الوطني والاجتماعي؛ بهَدفِ إخضاع الشعب اليمني الأبي لإرادَة خارجية هجينة لا تمثل مصلحته، ولا تراعي حقه الطبيعي والإنساني في العيش بحرية وكرامة واستقلال تام.
سياسات التجويع والوصاية.. السقوط الأخلاقي لتحالف البغي
لقد أوصلتنا السعوديّة، بسياساتها العدوانية المتصاعدة وتصلُّبها المُستمرّ، إلى مرحلة مصيرية لم نعد نجد معها أي خيار آخر سوى المواجهة الشاملة في الميدان.
فكل المحاولات السلمية، وكل المبادرات السياسية التي قدمتها القيادة في صنعاء بحُسن نية، وكل فترات التهدئة التي سُميت بـ “خفض التصعيد”، لم تكن في الواقع سوى فرص استغلها العدوّ لتعزيز مواقفه العسكرية، وتعميق حصاره البري والجوي والبحري، وتجويع أبناء الشعب، وابتزازهم بلقمة العيش والماء والغذاء والدواء، في محاولة خبيثة لتخيير اليمنيين بين الموت جوعًا أَو القتال دفاعًا عن أبسط حقوقهم الإنسانية.
وهذا السلوك الإجرامي هو بالضبط ما جعل القناعة الشعبيّة تتزايد يومًا بعد يوم، وتصبح أكثر رسوخًا وقوة في وجدان كُـلّ مواطن؛ فأبناء شعبنا ليسوا بحاجة إلى من يذكرهم بجراحهم ومآسيهم، فهم يعيشونها ويكابدونها في تفاصيل يومهم، ويرون بأعينهم كيف تنهب ثرواتهم النفطية والغازية، وتُسلب أرزاقهم، وتُحاصر مدنهم، وتُقصف بيوتهم، وتُدمّـر مقدراتهم ومستشفياتهم ومدارسهم تحت مسميات وذرائع واهية لا تمُتُّ للشرعية الإنسانية أَو القانونية بصلة.
لُغة القوة والردع.. سقوط أوهام التبعية وشرعية الفنادق
ونحن؛ إذ نؤكّـد أن شعبَنا اليوم بات أكثر إيمانًا وتصميمًا على ضرورة المواجهة، إنما نعبّر عن حقيقة واقعة ملموسة صاغها الميدان، لا عن مُجَـرّد انفعال عاطفي عابر؛ فالتجربة الطويلة علمتنا أن النظام السعوديّ لا يفهم ولا يحترم إلا لغة القوة والردع، وأنه كلما استشعر ضعفًا أَو تراخيًا من الخصم ازداد طغيانًا وصلفًا، وكلما وجد فرصةً للمماطلة والتسويف استغلها لتعميق الاحتلال وتوسيع دائرة نفوذه وفرض الأمر الواقع.
لقد هدفت السعوديّةُ منذ اللحظة الأولى لعدوانها إلى إجهاض مشروع اليمن الحر المستقل، وإعادة البلاد قسرًا إلى مربع التبعية الأعمى للرياض؛ إرضاءً لأجندات أمريكية وصهيونية لا تريد لليمن أن يكون دولة قوية ذات قرار سيادي مستقل، تريده مُجَـرّد منطقة نفوذ تابعة، ومستودعًا مشاعًا للثروات، وساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
وهذا ما يفسر بوضوح كُـلّ التناقضات المخزية في مواقفها، وتمنعها في ملفات السلام الإنسانية، واستمرارها في فرض الحصار الخانق حتى في فترات الهدنة، وكأنها ترفض السلام المطلق وتريد إرهاق الشعب وكسر إرادته ودفعه نحو الاستسلام.
لكنها فشلت في ذلك فشلًا مدويًا، وخرج الشعب اليمني من رحم هذه المعاناة أقوى عودًا، وأصلب عتادًا، وأكثر تصميمًا على نيل كامل حقوقه السيادية.
إن المسألة برمتها هي معركة وجود، وهُوية، ومستقبل أُمَّـة؛ فالسعوديّة تحاول جاهدة أن تفرض وصايتها الكاملة على القرار اليمني، وتدير شؤون البلاد عبر عملاء وأدوات مرتهنة تم تجميعهم في الخارج، مستندة إلى شرعية زائفة لا تمثل الشعب اليمني ولا تعكس تطلعاته، هي عصابة من مرتزقة لنهب المال المدنس، والسلاح الغادر، والتدخل الخارجي السافر.
ومن هنا يبرز السؤال السيادي الذي يطرحه كُـلّ يمني حر: من أعطى النظام السعوديّ الحق في أن يتحدث باسم اليمن، أَو يقرّر مصير أبنائه، أَو يحاصر مدنه وينهب خيراته؟ هل نال هذا الحق لمُجَـرّد أن ثلة من الفاسدين والخونة الذين لفظهم الشعب وطردهم باتوا يقيمون في فنادق الرياض ويتلقون أوامرهم من لجنتها الخَاصَّة؟
إن السيادة اليمنية أسمى من أن تكون رهينة لاستضافة أُولئك العملاء في القصور، وحقوقنا الثابتة لا يمكن أن تتحول إلى سلعة تباع وتشترى في أسواق النفط والمال، وهو منطق مرفوض جملة وتفصيلًا ولا يقبله أي يمني شريف.
الالتفاف حول القيادة الحكيمة والجاهزية التامة لمعركة المصير
أثبتت مجريات الأحداث أن كُـلّ محاولات تحويل اليمن إلى تابع أَو أدَاة مسلوبة الإرادَة في لُعبة المصالح الأمريكية هي محاولات وُلدت ميتةً ومحكومٌ عليها بالفشل الذريع؛ لأن الإنسان اليمني يمتلك وعيًا تاريخيًّا ضاربًا في العمق، وذاكرة حية تذكره دومًا بأن الكرامة تنتزع انتزاعًا، وأن الحرية تُسترد بالتضحية والدم والفداء.
لذلك، لن يقبل شعبنا أبدًا بأن يكون عبدًا أَو خاضعًا لمشيئة أمريكا أَو السعوديّة مهما بلغت حجم التهديدات أَو الإغراءات، فقد ذاق مرارة التبعية والوصاية في عقود سابقة وعانى من ويلات الإقصاء، وهو اليوم أكثر إصرارا من أي وقت مضى على بناء دولة حديثة، قوية، مستقلة، تعتمد على قدراتها الذاتية وتستثمر ثرواتها لصالح أبنائها، وتدير علاقاتها الدولية على أَسَاس الندية والمساواة والاحترام المتبادل، لا على أَسَاس الضعف والاستجداء المهين.
إن هذه المرحلة الحساسة والاستثنائية التي نعيشها تتطلب من الجميع الوقوف بمسؤوليةٍ وجدية، وتجديد العزائم، والاستعداد الكامل لكل الاحتمالات والخيارات العسكرية؛ فالعدوّ الماكر لا يكل ولا يمل، وهو يتربص بالوطن الدوائر ويترقب أية فرصة سانحة للانقضاض.
ومن هنا، يجب أن يكون كُـلّ فرد من أبناء هذا الشعب على أُهبة الاستعداد عقيدةً وروحًا وعدة، واضعًا نصب عينَيه أن هذه المعركة هي معركة المصير الكبرى التي لا يتحقّق النصر فيها إلا بالإخلاص والتوكل المطلق على الله سبحانه وتعالى، والثقة الكاملة بالقيادة الحكيمة التي أثبتت طوال سنوات المواجهة أنها الأقدر على قراءة المعطيات، وفهم تحَرّكات الأعداء، واتِّخاذ القرارات الاستراتيجية المناسبة في أوقاتها الدقيقة.
في هذا الصمود المتنامي نستلهمُ خُطانا وثباتنا من توجيهات السيد القائد، حفظه الله، الذي خُضنا
تحت لوائه أشرسَ المعارك الاستراتيجية وتحقّق لنا النصر والتمكين بفضل قيادته الشجاعة؛
حَيثُ وقفنا معًا صفًّا واحدًا في مواجهة أعتى وأكبر قوى الطغيان والاستكبار العالمي، وحين استجبنا
لله تعالى وقدمنا الغالي والنفيس، كانت العزة والكرامة والردع هي الثمرة المباركة لإيماننا وصبرنا وتلاحمنا.
فاليد القائد، أيّده الله، هو القائد الشامخ الذي عرفناه في أحلك الظروف وأصعب الأوقات، لا تلين له قناة في الحق ولا يتردّد في نصرة المظلومين ولا يخاف في الله لومة لائم؛ وهو الرجل الذي قاد السفينة بحكمة واقتدار في مواجهة المشروع الأمريكي الإسرائيلي، وأفشل مخطّطات التفتيت، وأرغم قوى الاستكبار على الاعتراف بأن اليمن لم يعد كما كان في السابق، وأن إرادَة شعبه عصية على الانكسار أَو الخضوع لغير الله وحده.
بناءً على ذلك، ندعو أبناءَ شعبنا الأحرار في كُـلّ الميادين والساحات، وفي كُـلّ المدن والقرى، إلى رفع وتيرة الجاهزية العسكرية والقتالية، والالتفاف الواعي حول القيادة لتوجيه الضربات الصارمة والرادعة لكل من تسول له نفسه المساس بسيادة واستقلال اليمن، مستندين إلى إيماننا وعدالة قضيتنا وتاريخ أجدادنا الذين جعلوا من أرض اليمن مقبرةً للغزاة والمستعمرين على مر العصور.