السعودية وإدارة الفوضى في المحافظات المحتلة.. الوقود والكهرباء والصراعات البينية أدوات لإغراق المواطن في المعاناة
تشهد المحافظات اليمنية المحتلة الواقعة تحت سيطرة تحالف العدوان السعودي الإماراتي حالة متفاقمة من الأزمات الاقتصادية والخدمية والأمنية، في مشهد يعكس حجم الإخفاقات التي تعيشها تلك المناطق منذ سنوات. وتتجلى هذه الأزمات بصورة أكثر وضوحًا في الانهيار المستمر لقطاع الكهرباء، وتفاقم أزمة الوقود، والانفلات الأمني، والصراعات المتصاعدة بين الفصائل والأدوات المحلية المرتبطة بقوى تحالف العدوان ، الأمر الذي جعل المواطن اليمني الخاسر الأكبر من هذه المعادلة، ويرى مراقبون أن ما يحدث لم يعد مجرد إخفاق إداري أو عجز عن إدارة المحافظات المحتلة، بل أصبح يعكس نمطًا من السياسات التي تؤدي عمليًا إلى إدامة الفوضى وإشغال القوى المحلية بصراعات داخلية تستنزف قدراتها وتعمق معاناة السكان، بما يضمن استمرار حالة التبعية والارتهان للخارج.
أعده للنشر | طارق الحمامي
أزمة الكهرباء .. معاناة لا تنتهي
تُعد أزمة الكهرباء في عدن والمحافظات الجنوبية المحتلة إحدى أبرز صور المعاناة اليومية للمواطنين، فمع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، تتزايد ساعات الانقطاع إلى مستويات قياسية، بينما تتعثر الحلول الحكومية المعلنة، وتبقى الوعود المتكررة دون نتائج ملموسة، ويؤكد متابعون أن أزمة الكهرباء لم تعد مرتبطة بنقص الإمكانات فحسب، بل باتت تعكس حالة من الفشل المزمن في إدارة هذا القطاع الحيوي، خصوصًا في ظل الموارد والإيرادات التي تمتلكها تلك المحافظات، والتي كان من الممكن أن تسهم في معالجة كثير من المشكلات الخدمية لو تم توظيفها بصورة صحيحة، وتتحول الكهرباء في كثير من الأحيان إلى ورقة ضغط سياسي واقتصادي، حيث ترتبط عمليات التشغيل بتوفير الوقود والتمويل، ما يجعل حياة المواطنين رهينة للصراعات والتجاذبات بين الأطراف المتنفذة.
الوقود .. أزمة مصطنعة تتكرر
بالتوازي مع أزمة الكهرباء، تتكرر أزمات الوقود بصورة لافتة، حيث تشهد الأسواق بين الحين والآخر حالات شح وارتفاع في الأسعار، تنعكس مباشرة على تكاليف النقل والخدمات وأسعار السلع الأساسية، ويشير محللون إلى أن المحافظات المحتلة تمتلك منافذ بحرية وموانئ ومصادر إيرادات متنوعة كان يفترض أن تجعل توفير المشتقات النفطية أكثر استقرارًا، إلا أن الواقع يكشف عن استمرار الاختلالات التي تفتح الباب أمام المضاربات والاحتكار والاستغلال،
كما أن ارتباط ملف الوقود بحسابات القوى المتصارعة يجعل المواطن أول المتضررين، إذ يتحمل أعباء ارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات الناتجة عن نقص المشتقات النفطية.
صراعات الأدوات .. المواطن الضحية الدائمة
ومن أبرز السمات التي تطبع المشهد في المحافظات المحتلة استمرار الصراعات بين المكونات والفصائل الموالية لتحالف العدوان السعودي الإماراتي، سواء على النفوذ السياسي أو الموارد الاقتصادية أو السيطرة العسكرية والأمنية، وتشهد الساحة الجنوبية بين فترة وأخرى توترات ومواجهات إعلامية وسياسية وأمنية بين هذه الأطراف، في ظل تضارب المصالح وتعدد الولاءات الخارجية، الأمر الذي يعمق حالة الانقسام ويعطل أي جهود حقيقية لمعالجة الأزمات المعيشية والخدمية، ويرى مراقبون أن هذه الصراعات تكشف حقيقة المشروع الذي أُريد له أن يدير تلك المحافظات، حيث تحولت الأولويات من خدمة المواطنين وتحسين أوضاعهم إلى سباقات محمومة للسيطرة على الموارد والمواقع ومراكز النفوذ.
سياسة الفتنة وإدارة الانقسام
ويؤكد محللون سياسيون أن استمرار الخلافات والصراعات بين القوى المرتبطة بتحالف العدوان لا يمكن فصله عن سياسة تقوم على إدارة التناقضات وإبقاء الأطراف المحلية في حالة تنافس دائم، بما يمنع تشكل أي حالة استقرار أو استقلالية في القرار السياسي، فكلما تصاعدت الأزمات الخدمية والاقتصادية، برزت خلافات جديدة بين المكونات المتصارعة، وتحولت الأنظار بعيدًا عن الأسباب الحقيقية للأزمة، بينما يستمر نزيف الموارد وتفاقم المعاناة الإنسانية، مؤكدين أن إثارة النزاعات البينية تمثل إحدى الأدوات المستخدمة لإضعاف أي موقف موحد يمكن أن يطالب بمعالجات جذرية للأزمات أو باستعادة القرار الوطني بعيدًا عن التدخلات الخارجية.
أبعاد ودلالات المشهد الراهن
يحمل ما يجري في المحافظات المحتلة جملة من الدلالات المهمة، أبرزها فشل القوى المدعومة من الخارج في تقديم نموذج إداري أو خدمي قادر على تلبية احتياجات المواطنين،
وتحول الموارد والإمكانات المتاحة إلى أدوات للصراع والتنافس بدلاً من توظيفها في التنمية والخدمات، وكذا استمرار حالة الارتهان للخارج وما يرافقها من غياب القرار المستقل، وتعميق الانقسامات الاجتماعية والسياسية بما يهدد النسيج الوطني،
واستخدام الملفات المعيشية والخدمية كورقة ضغط في الصراعات السياسية، كما تكشف هذه التطورات أن المواطن اليمني لا يزال يدفع ثمن الحسابات الإقليمية والصراعات الداخلية، في ظل غياب حلول حقيقية تعالج جذور الأزمات المتراكمة.
ختاما ..
في ظل الانهيار المستمر للخدمات الأساسية، وتفاقم أزمات الوقود والكهرباء، وتصاعد الصراعات بين الفصائل المرتبطة بالتحالف، تبدو المحافظات المحتلة عالقة في دائرة من الأزمات المتجددة التي لا تنتهي، وبينما تتبادل الأطراف المختلفة الاتهامات، يبقى المواطن اليمني الضحية الأولى لهذه الصراعات، يواجه يوميًا أعباءً معيشية متزايدة وظروفًا إنسانية صعبة،
وتشير المعطيات إلى أن استمرار النهج القائم على إدارة الانقسامات والصراعات لن يؤدي إلا إلى مزيد من التدهور، ما يجعل الحاجة ملحة لمعالجات جذرية تضع مصالح المواطنين فوق حسابات النفوذ والصراع، وتعيد الاعتبار لمتطلبات الاستقرار والخدمات والتنمية.