من التبعية إلى التصدير.. اليمن يدشن مرحلة السيادة الغذائية وبناء اقتصاد الاستقلال
الجوف نت | تقرير خاص
17 يونيو 2026
في خطوة استراتيجية تتجاوز أبعادها الاقتصادية المباشرة لتلامس جوهر السيادة الوطنية، افتتح القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء، العلامة محمد أحمد مفتاح، المعرض الوطني الدائم للأسمدة والمبيدات المصنعة محلياً من مكونات عضوية وآمنة. هذا الحدث لا يمثل مجرد تدشين لمنتجات زراعية جديدة، بل يعلن رسمياً عن ملامح تحول هيكلي في بنية الاقتصاد اليمني؛ تحولٌ ينقل البلاد من مربع الارتهان والاستهلاك إلى فضاء الإنتاج والتصدير والاعتماد الكامل على الذات.
ويأتي هذا الإنجاز كترجمة عملية للمبادئ التي أرستها ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر، والتي وضعت تحرير القرار الاقتصادي وتوطين الصناعات المرتبطة بالأمن الغذائي في صدارة أولويات الدولة الوطنية، محولةً تحديات الحصار والعدوان إلى فرص حقيقية للبناء والابتكار.
تحرير القرار الاقتصادي: كسر قيود التبعية والاستيراد
لعقود طويلة، عانى اليمن من سياسات اقتصادية ممنهجة أضعفت قطاعاته الإنتاجية وحولته إلى سوق استهلاكية مفتوحة تعتمد كلياً على الخارج. ومع استعادة القرار السياسي المستقل، بدأت الدولة بتبني استراتيجية مغايرة تقوم على استثمار الموارد المحلية وتحفيز العقل اليمني المبتكر.
وقد أثبتت التجربة العملياتية أن الحصار، رغم قساوته، كان المحرك الأساسي لتسريع التوجه نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي، بعد أن تضافرت جهود المؤسسات الرسمية، القطاع الخاص، والمجتمع لإيجاد بدائل وطنية قادرة على تلبية احتياجات السوق وتعزيز الصمود الاقتصادي.
لغة الأرقام تتحدث: كيف تحول الاكتفاء الذاتي إلى واقع؟
لم يعد الحديث عن الأمن الغذائي شعاراً للاستهلاك الإعلامي، بل أرقاماً ووقائع على الأرض. وخلال افتتاح المعرض، كشف العلامة محمد مفتاح عن حزمة من المؤشرات الإيجابية التي تؤكد نجاح المسار الزراعي:
- الخضروات والفواكه: تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل، والانتقال الفعلي إلى مرحلة تصدير الفائض للخارج.
- الثروة الحيوانية: الوصول إلى الاكتفاء الذاتي في قطاعي اللحوم والبيض، مع استمرار الخطط لتغطية العجز في قطاع الألبان ومشتقاتها.
- توطين محاصيل جديدة: البدء عملياً في زراعة وإنتاج أصناف لم تكن مألوفة سابقاً في التربة اليمنية مثل الكيوي والأفوكادو، مما يفتح آفاقاً جديدة للمزارعين ويقلل فاتورة استيراد السلع الكمالية.
الأسمدة والمبيدات العضوية: سلاح الدفاع عن التربة والصحة
يكتسب المعرض الوطني الدائم أهمية استثنائية لكونه يستهدف توطين صناعة “مدخلات الإنتاج الزراعي”. فالأسمدة والمبيدات كانت تشكل العبء الأكبر على المزارع اليمني وتستنزف العملة الصعبة، فضلاً عن المخاطر البيئية والصحية للمواد الكيميائية المستوردة.
اليوم، يقدم المعرض عشرات المنتجات والابتكارات المحلية المصنعة من مواد عضوية آمنة. هذا التحول يدعم مسار “المقاطعة الاقتصادية” للمنتجات الخارجية عبر توفير البديل الوطني الأعلى جودة والأقل تكلفة، مما يحمي البيئة والصحة العامة، ويؤمن العملية الإنتاجية من أي تقلبات أو قيود دولية.
حكومة التغيير والبناء: رؤية تكاملية بروح الفريق الواحد
من جانبه، أكد القائم بأعمال وزير الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية، عمار الكريم، أن التنسيق بين القطاعات الرسمية والخاصة والتعاونية بات يدار بروح الفريق الواحد. هذا التناغم يهدف إلى إيجاد بيئة استثمارية جاذبة تضمن حماية المنتج المحلي وتشجيع الابتكار الزراعي.
وتأتي هذه الجهود انسجاماً مع توجهات حكومة التغيير والبناء التي لا تنظر إلى هذه المشاريع كخطوات متفرقة، بل كجزء من رؤية استراتيجية شاملة تهدف إلى تأسيس نهضة صناعية واقتصادية مستدامة تخلق فرص عمل وتنعش التنمية في مختلف المحافظات.
استعادة الهوية الحضارية للمزارع اليمني
”إن اليمن يسير بثبات نحو استعادة دوره الحضاري التاريخي كبلد منتج يعتمد على إمكاناته الذاتية لتأمين قوته.”
— العلامة محمد أحمد مفتاح
يعيد هذا التحول الاعتبار للإنسان اليمني الذي ارتبط تاريخياً بالهندسة الزراعية والإنتاج. إن ما تشهده البلاد اليوم هو ثورة ثقافية وحضارية تصحح مفاهيم الاستهلاك، وتؤكد أن السيادة السياسية لا تكتمل إلا بامتلاك القرار الاقتصادي والسيادة على اللقمة والدواء والمخرجات الصناعية. اليمن اليوم لا يواجه التحديات بالصمود العسكري فحسب، بل يصنع مستقبله بإرادته الحرة وبأيدي مزارعيه ومبتكريه.