من الغدير إلى غزة: كيف يعيد “يوم الولاية” رسم بوصلة القيادة وحسم الصراع مع الاستكبار؟

من الغدير إلى غزة: كيف يعيد "يوم الولاية" رسم بوصلة القيادة وحسم الصراع مع الاستكبار؟


الجوف نت | تقرير خاص

التاريخ: 3 يونيو 2026

​يمثل “يوم الولاية” المحطة الاستراتيجية الأبرز في تاريخ الأمة الإسلامية، حيث ارتفع بالوعي الإيماني من دائرة الأحكام التشريعية الجزئية إلى أفق المنظومة القيادية والسيادية الشاملة الكفيلة بحفظ جوهر الدين وحراسة بنية الأمة من التحلل. وينطلق الموقف المحوري لهذا اليوم من كونه إعلاناً حاسماً لولاية الله ورسوله والامتداد الرسالي المتمثل في الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، ليكون هذا الارتباط صمام الأمان الاستراتيجي الذي يحمي المجتمع المسلم من كوارث الفراغ القيادي، ومخاطر الارتداد الفكري والسياسي، مصداقاً لقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}.

​إن القيمة العملية التي يحملها يوم الولاية تنبع من ارتباطه الوثيق بكمال الدين وتمام النعمة، مما يضع الأمة أمام حقيقة سياسية ومعرفية واضحة: أن الدين ومبادئه الجليلة دون قيادة ربانية مؤهلة وممتدة يبقى مجرد هيكل نظري بلا روح حركية، وعرضة مستمرة للاختراق والاحتواء والتوظيف من قِبل قوى الاستكبار العالمي والطواغيت. ولذلك فإن هذا اليوم ليس مجرد مناسبة عابرة للاحتفاء العاطفي، بل هو تجديد سنوي للالتزام بالمنهجية القيادية الحكيمة التي تضمن للمجتمعات بقاءها عزيزة، حرة، ومستقلة، ومحصنة ذاتياً من التبعية والارتهان.

​تواتر الحقيقة وأصالة المرجعية التاريخية

​إن حديث الولاية والإعلان المشهود في يوم الغدير: “اللهم من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله”، يُصنف في مناهج التوثيق التاريخي والحديثي كأحد أكثر النصوص النبوية قطعاً وتواتراً. وقد أجمعت الأمة بمختلف مدارسها الفكرية والتاريخية على ثبوت هذه الواقعة؛ حيث دونتها أمهات الكتب والمسانيد كمسند أحمد بن حنبل، وسنن الترمذي، والمستدرك للحاكم، مما يرفع هذا الحدث إلى رتبة المسلمات التوثيقية الدامغة.

​وقد تتبع هذه الحقيقة المؤرخون كابن جرير الطبري في كتابه “الولاية” وابن كثير، موثقين شهادات أكثر من مئة وعشرة من الصحابة والتابعين الذين شهدوا البلاغ العام في ذلك الحشد الجماهيري غير المسبوق. وتكمن القيمة الفكرية لهذا الإجماع في أنه يمثل قاعدة الانطلاق لتصحيح المسار التاريخي؛ فالخلاف لم يقع في أصل صدور النص، وإنما في محاولات الالتفاف التي سعت لتجريد مفهوم “المولى” من أبعاده السياسية والقيادية الشاملة، ليظل هذا النص حجة قائمة تلزم الأمة بالعودة إلى المعين الصافي لولاية الإمام علي كنموذج تطبيقي لولاية الله ورسوله.

​تحصين الأمة من الاختراق الاستعماري

​يتجاوز مبدأ الولاية في الإسلام حدود المفهوم السياسي التقليدي للسلطة، ليكون منظومة ثقافية وتربوية متكاملة تضمن استقامة مسيرة الدين وفاعليته في مواجهة مشاريع التدجين والتغريب. إن الولاية الربانية هي الكفيلة بحفظ الأمة من الاختراق الفكري والسياسي، لأنها تربط المجتمع بنماذج إيمانية تجسد قيم الحق والمواجهة، مما يحول دون تمكين المنافقين وقوى الطاغوت من توجيه بوصلة الأمة لصالح أجندات أعدائها.

​ويتضح هذا البعد الحمائي من خلال الإجراءات الاستثنائية التي قام بها الرسول صلوات الله عليه وعلى آله قبل إلقاء هذا البلاغ المصيري، حيث استوقف الألوف في هجير الشمس الحارقة موجهاً الأمة نحو مرجعيتها القادمة، مما يثبت أن الأمر يتجاوز الإشادة الشخصية إلى مستوى التأسيس لنظام دفاعي وقائي يحمي الدولة الإسلامية من الانحراف. فالإمام علي عليه السلام، بما يمثله من نقاء وعقيدة، كان يمثل الضمانة الوجودية لاستمرار المشروع الرسالي في خطه المستقيم، وبدون هذا التسليم الواعي تصبح الساحة الإسلامية مستباحة أمام اختراقات المتربصين.

​تبعات الاستبدال وواقع الارتهان المعاصر

​إن ما تعيشه الأمة العربية والإسلامية اليوم من مظاهر الضعف والخضوع لسياسات الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني هو الثمن المباشر للتفريط بمبدأ الولاية الإلهية الحكيمة. فعندما استبدلت الأمة ولاية الله—التي هي ولاية رحمة، وحكمة، وعزة—بالانخراط في أحلاف ومشاريع الاستكبار العالمي، سقطت الشعوب في شرك الارتهان، وفقدت قرارها السيادي، وتحولت مقدراتها الثرواتية إلى أدوات لتمويل المشاريع التي تستهدف تفتيتها.

​ويكشف هذا الواقع صوابية المنهجية القرآنية الصارمة التي وضعت الأمة أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمساك بالولاية الإلهية كمسار للتحرر، أو السقوط في مستنقع التبعية لطواغيت العصر، مصداقاً للمنهجية القرآنية القاطعة: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرَجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرَجُهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ}.

​مواصفات القيادة وشاهد غزة الصارخ

​تشترط الرؤية القرآنية فيمن يتولى قيادة الأمة معايير نوعية صارمة؛ حيث يجب أن يكون القائد هو الأزكى نفساً، والأعلم بالواقع، والأشجع في مواجهة الطواغيت. هذه المواصفات المتمثلة في نموذج الإمام علي عليه السلام هي الكفيلة ببناء دولة قوية تمتلك شجاعة اتخاذ الموقف السيادي المستقل، وتتحرك وفق مقتضيات العزة والدفاع عن قضايا المستضعفين.

​وتكمن الأزمة البنيوية للعالم الإسلامي المعاصر في تولي أمره من قِبل حكام دجنوها وأخضعوها لأعدائها، دون امتلاكهم لمعايير الكفاءة والشجاعة، مما جعل القرار السياسي مجرد صدى لقرارات البيت الأبيض.

شاهد من الواقع: تقف المأساة المستمرة وأعمال الإبادة الجماعية التي يرتكبها العدو الصهيوني والأمريكي بحق الأهل في قطاع غزة كشاهد تاريخي صارخ على سقوط هذه الأنظمة المدجنة. ففي الوقت الذي يستبسل فيه المقاومون الأحرار، يتجلى عجز الحكام والملوك في أسوأ صوره، حيث عجزت جيوشهم وأنظمتهم عن فرض ممر إنساني لإغاثة المحاصرين، مما يثبت خطورة غياب معايير يوم الولاية عن واجهة القرار القيادي.

 

​فقه الخطاب والتكامل الجهادي

​إن إحياء ثقافة يوم الولاية في ظل المواجهة المصيرية القائمة اليوم مع قوى الاستكبار يفرض على النخب الواعية حتمية الحذر من الانجرار نحو الخلافات المذهبية والجدال العقدي العقيم الذي يستغله الأعداء لتفتيت الصفوف. إن طرح مفهوم الولاية يجب أن ينطلق من كونه خياراً نهضوياً وجامعاً وعاملاً من عوامل القوة والوحدة، يهدف لحشد طاقات الأمة لمواجهة الخطر الصهيوني-الأمريكي المشترك، وليس أداة لإنتاج معارك جانبية.

​ويستوجب هذا المسار الابتعاد الكامل عن الأساليب المستفزة والخطاب الإقصائي. فالخطاب المسؤول هو الذي يقدم أصالة المنهجية القرآنية بلغة حية واعية مستندة للحقائق، لتوضيح كيف يمكن لثقافة الولاية أن تكون طوق النجاة الحقيقي للشعوب المستضعفة الساعية لكسر قيود التبعية واستعادة سيادتها المسلوبة.

​واقعية المسار ومسؤولية البناء

​تثبت المعطيات السياسية المعاصرة أن معالجة حالة الشلل والارتهان التي تعيشها الأمة لا تتم بالركون إلى المبادرات الترقيعية، بل بالعودة الشجاعة إلى المرتكزات الإيمانية والتاريخية الأصيلة، واعتماد مبدأ الولاية بمفهومه القرآني الشامل كمنظومة متكاملة للتحرر والبناء والسيادة، كونه المخرج الواقعي لتفكيك أدوات الهيمنة الأمريكية والصهيونية في المنطقة.

​إن المسؤولية التاريخية اليوم تقع على عاتق الأحرار والنخب الفكرية والجهادية في تقديم ثقافة يوم الولاية كخيار عملي لإنقاذ الشعوب وبناء الدول القوية، بعيداً عن المبالغات. فالواقع لا يتغير بالشعارات المجردة، بل بتحويل الثوابت التوثيقية لحدث الولاية إلى إستراتيجية عمل ميدانية وبناء مؤسسي ينتج أمة قوية، واعية، وتملك من الشجاعة وقوة الموقف ما يمكنها من استعادة مقدساتها وقرارها السيادي المغتصب.