ما الذي تغيَّر هذه المرة؟
رضوان دبأ
في حسابات أمريكا وكَيان الاحتلال لم يكن العدوان على إيران سوى نسخة مكرّرة من سيناريو غزو العراق؛ ضربات قاسية يتبعها انهيار سريع، ثم هزيمة محسومة بمرور الوقت، ظنوا أن الفارق الوحيد هو شدة العدوّ وحجم التحالفات، لكن النتيجة في النهاية واحدة.
غير أن ما جرى على الأرض أثبت أن إيران لم تكن العراق وأن المعادلات هذه المرة كُتبت بطريقة مختلفة تمامًا.
راهنوا على أن اغتيال القائد كفيل بإحداث صدمة تُسقط النظام أَو تُضعفه إلى حَــدّ التفكك، لكن الذي حدث كان العكس تمامًا؛ ازداد النظام تماسكًا وكأن الضربة التي أُريد لها أن تكون قاصمة، تحولت إلى عامل توحيد داخلي أعاد ترتيب الصفوف وشد الأعصاب.
وراهن العدوّ كذلك على ورقة الفوضى، وعلى تحريك الداخل عبر دعم المعارضين، غير أن المفاجأة الكبرى جاءت من هنا تحديدًا؟!
إذ أثبت جزء واسع من العقل المعارض أنه معارض بشرف، يختلف مع النظام لكنه لا يساوم على الوطن، قرأ المشهد بوعي وفهم أهداف العدوّ فاختار أن تكون الأولوية لإيران لا للخلافات..
وهنا سقط رهان آخر لأن التصور كان أن المعارض الإيراني يمكن أن يكون نسخة من نماذج عربية ساهمت – عن وعي أَو غير وعي – في تدمير أوطانها.
وبعد أربعين يومًا من الصمود في وجه قوى كبرى وتحالفات واسعة، لم يعد بقاء النظام مُجَـرّد مسألة وقت، فقد أصبح بداية لمرحلة جديدة، مرحلة تُفتح فيها آفاق مختلفة ويتشكل فيها مستقبل أكثر قوة، ويُكتب فيها تاريخ آخر عنوانه أن الصمود قادر على قلب التوقعات، هذا الثبات وما رافقه من تضحيات عزز الثقة بين النظام والشعب، وقرب حتى بعض المعارضين وخلق حالة من الالتفاف الداخلي، إلى جانب حضور متنام على المستويين الإقليمي والدولي، لم تعد الصورة كما كانت بل تغيّرت ملامحها لصالح من استطاع أن يصمد ويدير المعركة بذكاء.
كما أن إدارة إيران لهذه الحرب رغم قسوتها وعدوانيتها، حملت رسالة واضحة، أن خيار الحرب لن يكون سهلًا ولا مضمون النتائج، وهذا بحد ذاته ما دفع الخصوم إلى إعادة التفكير واستبدال المواجهة العسكرية بخيارات دبلوماسية أقل كلفة وأكثر واقعية.
ومن بين كُـلّ النتائج برزت مسألة إغلاق مضيق هرمز كواحدة من أهم الأوراق التي منحت إيران ثقلًا عالميًّا استثنائيًّا، ربما لم تكن لتحصل عليه في ظروف أُخرى، ورقة كشفت حجم التأثير وأعادت رسم موقعها في معادلة المصالح الدولية.
ومع كُـلّ ذلك يبقى الدرس الأهم أن هذه المرحلة رغم ما فيها من مكاسب تتطلب يقظة دائمة وحذرًا شديدًا، فالعدوّ الذي أخطأ في الحسابات مرة قد يعيد المحاولة بأساليب أُخرى، ومن لا يؤتمن في الماضي لا يُؤمَن في المستقبل.