إيران تثبّت استراتيجية جديدة: قواعد أمريكا.. خطر مُكلِف لا حماية
بقلم ـ فهد شاكر أبوراس
لطالما نظرت طهران إلى الصراع ليس كحَلْبة تقليدية بحدود ثابتة، بل كلُعبة مفتوحة لا تخضع لمنطق المسافات بقدر ما تخضع لمنطق الرسوبات الاستراتيجية، لكن اللحظة الحاسمة التي تُعيد تشكيل قواعد أية لعبة لا تأتي بالبيانات النظرية، بل عندما تتحول القدرات إلى وقائعَ ملموسة لا تقبل الجدل.
وهنا يكمن ما فعلته إيران في دييغو غارسيا: لم يكن ردًّا عابرًا، بل فتحًا استباقيًّا لمرحلة جديدة من إدارة الصراع، حَيثُ ستُترجم الاختراقات العسكرية إلى هندسة سياسية واستراتيجية طويلة المدى، تعيد ترتيب الأولويات في ذهنية القوى الكبرى وحلفائها الإقليميين دون أن تحتاج إلى تصريحات مدوية.
ما تسعى إليه طهران اليوم هو الانتقال من معادلة “الردع بالدفاع” إلى معادلة أكثر ذكاءً: “الردع بالسيطرة على حسابات الآخرين”.
بمعنى جعل المخاطرَ المرتبطة بأي تحَرّك ضدها محسومة مسبقًا لدرجة أن حلفاء واشنطن سيصبحون هم من يبحثون عن مبرّرات لعدم التصعيد، بدلًا من أن تبحث طهران عن مبرّرات للرد.
مما يعني أن دولَ الخليج في المرحلة المقبلة ستجد نفسَها أمام اختبار وجودي في علاقتها مع واشنطن؛ فطهران التي أثبتت أنها قادرة على الوصول إلى أية نقطة انطلاق للعدوان في المحيط الهندي بقصف جزيرة دييغو غارسيا في المحيط الهندي، تدرك أن الدول المضيفة للقواعد الأمريكية ستكون الأكثر حرصًا على عدم تحول أراضيها إلى ساحة مواجهة.
هنا لن تعتمد الاستراتيجية الإيرانية على التهديد المباشر، بل على تحويل هذه القواعد من أصول استراتيجية أمريكية إلى التزامات أمنية مكلفة؛ ما سيدفع تلك الدول تدريجيًّا إلى تبني سياسات الحياد الإيجابي، أَو على الأقل فرض قيود غير معلنة على استخدام قواعدها في أي عمل عسكري ضد إيران.
وأبعد من ذلك، تهدف طهران إلى استثمار هذا التحول في إعادة تعريف مفهوم التواجد العسكري الأجنبي في المنطقة بأسرها.
وستعمد إلى ترسيخ قاعدة غير مكتوبة: أي وجود عسكري لدولة غير إقليمية يمكن أن يُستخدم لتهديد الأمن القومي الإيراني سيكون عُرضةً للاستهداف.
وهذا يخلق حالة من التردّد الاستراتيجي لدى القوى الكبرى التي تعتمد على شبكات القواعد المنتشرة، خَاصَّة أن التكلفة السياسية للدفاع عن هذه القواعد في حال تعرضها للرد ستكون أعلى بكثير من قيمتها العملياتية.
وفي المستوى الأكثر عمقًا، تسعى طهران إلى تحقيق تحول جوهري في نظرية الردع الأمريكية ذاتها.
واشنطن راهنت لعقود على أن امتلاك قواعد متقدمة في محيط الجمهورية الإسلامية يمنحها حرية المناورة والضربة الاستباقية، لكن ما أنجزته إيران قلب هذه المعادلة: امتلاك القواعد قد يتحول إلى نقطة ضعف إذَا كان الخصم يمتلك القدرة على استباق التهديدات عند منابعها.
وهذا الإدراك سيدفع واشنطن في المرحلة المقبلة إلى إعادة النظر في جدوى انتشارها الأمامي في المنطقة، ليس لأنها تخسر القدرة على حماية قواعدها، بل لأن تكلفة الاحتفاظ بها في ظل الردع الإيراني الجديد ستفوق بكثير أي منافع استراتيجية يمكن جنيها.
وعلى الصعيد الإقليمي، ستعمل طهران على ترجمة هذا التحول إلى اتفاقيات ملزمة مع جيرانها بأن لا تصبح أراضيهم ساحة لصراع لا قبل لهم به، لدفعهم نحو صيغ جديدة من التفاهمات الأمنية غير المعلنة التي تضمن عدم استخدام أراضيهم أَو مجالهم الجوي في أي تحَرّك عدائي ضد إيران، مقابل ضمانات ضمنية بعدم استهدافهم.
والأهم من هذا كله هو أن هذه الورقة ستمنح طهران هامشًا استثنائيًّا في المِلفات العالقة، فالدول التي كانت تراهن على القوة الأمريكية كورقة ضغط في مفاوضاتها مع طهران ستجد أن تلك الورقة فقدت جزءًا كَبيرًا من قيمتها؛ لأن واشنطن نفسها أصبحت مضطرةً إلى إعادة حساب المخاطر قبل أي تصعيد.
ما تسعى إليه القيادة الإيرانية هو تأسيس نظام إقليمي جديد قائم على توازن الردع لا على الهيمنة الخارجية، نظام تكون فيه معادلة “من يهدّد يدفع الثمن” هي القاعدة الحاكمة، وليس “من يمتلك القواعد هو من يقرّر متى وأين تضرب”.
إن طهران التي أثبتت قدرتها على الصبر الاستراتيجي والبناء التدريجي للقدرات، تمتلك اليوم من الأوراق ما يمكّنها من ترسيخ هذا النظام عبر خطوات محسوبة، تبدأ بتعزيز رسالة الردع التي أرسلتها في دييغو غارسيا، وتستمر عبر إدارة بارعة للمخاطر تجعل أي خصم يفكر في اختبار هذه الرسالة يدرك أن التكلفة ستكون أعلى مما يمكنه تحمله، وهذه ليست مُجَـرّد قدرة عسكرية تضاف لقدرة طهران الدفاعية، بل هي منظومة ردع متكاملة سوف تعيد من خلالها تعريف مفاهيم الأمن القومي في المنطقة، منظومة ستجعل من المستحيل على أية قوة خارجية شن عدوان ضد إيران في المستقبل دون أن تدفع ثمنًا باهظًا يبدأ من أعمق نقاط انتشارها، ويمتد إلى استقرار حلفائها الإقليميين.