مذكرة التفاهم.. تتويجٌ لانتصار استراتيجي
بقلم. أحمد الضبيبي
تتبدّى اليوم ملامح الفصل الأخير لواحدةٍ من أعقد وأشرس جولات الصراع التاريخي بين محور المقاومة وقوى الهيمنة والاستكبار العالمي، بعد عقود طويلة راهن خلالها المشروع الصهيوني الأمريكي على كسر إرادَة الأُمَّــة وإخضاع شعوبها وإعادة تشكيل المنطقة وفق خرائط النفوذ الغربي ومصالح كيان الاحتلال الصهيوني.
وهنا تبرز مذكرة التفاهم الأخيرة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية ورأس الشر أمريكا بوصفها تتويجًا لمسار طويل من المواجهة والصمود والتحدي، وإعلانا سياسيًّا صريحًا عن سقوط رهانات العدوان وفشل مشاريع الإخضاع التي استنزفت واشنطن وكيان الاحتلال سنوات طويلة من التخطيط والحصار والحروب والضغوط المركبة.
فما نشهده اليوم انعكاس مباشر لتحول استراتيجي عميق في موازين القوة، وتجسيدٌ حيّ لحقيقة أثبتتها ميادين المواجهة، مفادها أن إرادَة الشعوب الحرة حين تتسلح بالعقيدة والوعي والصبر قادرة على تحطيم أكثر المشاريع الاستعمارية تعقيدًا وإفشال أكثر المخطّطات العدوانية إحكامًا.
ورغم أن هذه المذكرة قد لا تمثل كامل الطموحات التي رسمتها طهران ضمن رؤيتها الاستراتيجية بعيدة المدى، إلا أن القراءة الموضوعية لمجريات الأحداث ومآلات الحرب تكشف أن الجمهورية الإسلامية خرجت من هذه الجولة وهي أكثر رسوخًا وثباتًا وتأثيرًا مما كانت عليه قبل اندلاعها، وأن ما تحقّق على طاولة التفاهمات لم يكن سوى ترجمة سياسية لحقائق فرضتها ساحات المواجهة ومعادلات الردع التي تشكلت تحت وهج النار والدخان.
لقد جاءت هذه المذكرة بوصفها ثمرةً طبيعية لنتائج الحرب، لا مقدمة لها، ونتاجًا مباشرًا لمعادلات القوة التي فرضها الميدان، لا استجابة لإملاءات الطرف المعتدي.
فالتاريخ السياسي للصراعات الكبرى يؤكّـد أن المنتصِر هو من يفرض شروطه ويرسم ملامح المرحلة التالية، وأن العاجز عن تحقيق أهدافه العسكرية يجد نفسه مضطرًّا للبحث عن مخارجَ سياسية تحفظ ما تبقى من هيبته ومصالحه.
ولو أن الحربَ انتهت بانكسار إيران أَو تراجع محور المقاومة، لكانت المنطقة اليوم أمام مشهد مختلف تمامًا، تُملى فيه الشروط من جانب واحد، وتُفرض فيه الوصاية السياسية والأمنية على شعوب المنطقة، غير أن صمود إيران، وفشل العدوان في تحقيق أهدافه المعلنة والخفية، قلب المعادلة رأسًا على عقب، وأعاد صياغة المشهد الاستراتيجي برمته، بما عزز الموقع التفاوضي لطهران ومنحها قدرةً أكبر على فرض شروطها ورؤيتها لمستقبل المنطقة.
وما يزيد من أهميّة هذه المذكرة أنها تتضمن التزامات عملية مباشرة ذات أبعاد سياسية واقتصادية وأمنية واسعة النطاق، تشمل رفع الحصار، وتخفيف القيود الاقتصادية، والإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة، ورفع العقوبات المرتبطة بقطاع الطاقة، ولجم غطرسة كيان الاحتلال الصهيوني ومنعه نهائيًّا من استباحة الأجواء والأراضي في دول المنطقة وكبح جماح مخطّط ما يسمى بإقامة (إسرائيل الكبرى) من خلال تثبيت معادلة وحدة الساحات، إلى جانب ترتيبات إقليمية مرتبطة بأمن الملاحة والاستقرار الإقليمي.
كما أن أية محاولة للمماطلة أَو الالتفاف على هذه الالتزامات قد تؤدي إلى انهيار الأَسَاس الذي قامت عليه المذكرة برمتها، وهو ما يدركه جيِّدًا صناع القرار في واشنطن وحلفاؤها الذين باتوا أكثر وعيًا بكلفة العودة إلى خيارات التصعيد والمواجهة المفتوحة.
وبعيدًا عن تفاصيل الاتّفاق ومآلاته المستقبلية، فإن الحقيقة الأكثر رسوخًا هي أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية أسهمت في إحداث تحول تاريخي واسع في مسار الصراع مع المشروع الصهيوني، وأعادت رسم ملامح البيئة الاستراتيجية للمنطقة بما يخدم قضايا الأُمَّــة ويعزز حضور قوى التحرّر والاستقلال في مواجهة مشاريع الهيمنة والاحتلال.
لقد نجحت إيران في كسر جملةٍ من المسلمات السياسية والعسكرية التي حاولت القوى الغربية ترسيخها لعقود طويلة، وأثبتت أن الإرادَة المستقلة قادرة على الصمود في وجه الحصار، وأن الشعوب التي تمتلك مشروعًا حضاريًّا ورؤية استراتيجية لا يمكن إخضاعها مهما بلغت أدوات الضغط والابتزاز.
ومن خلال هذه المواجهة، كرست الجمهورية الإسلامية موقعها بوصفها الحامل الرئيسي لمشروع أُمَّـة المقاومة، ذلك المشروع الذي أرسى دعائمه الإمام الخميني رضوان الله عليه، والذي يتجاوز الحدود الجغرافية والانتماءات المذهبية والعرقية الضيقة، ليؤسس لرؤية جامعة تقوم على مواجهة الاحتلال والاستكبار والدفاع عن قضايا الأُمَّــة ومقدساتها.
ولم تعد إيران ومحور المقاومة مُجَـرّد قوة إقليمية مؤثرة، فقد تحولا إلى معادلة ردع استراتيجية راسخة، وإلى حقيقة جيوسياسية لا يمكن تجاوزها أَو تجاهلها في أية ترتيبات تتعلق بمستقبل المنطقة، وقد أصبح التعامل مع هذا المحور ضرورة تفرضها الوقائع لا خيارًا تتيحه المجاملات السياسية، وأضحى حضوره عاملًا حاسمًا في رسم التوازنات وصناعة القرار الإقليمي والدولي.
كما أثبتت التجربة أن بنيةَ محور المقاومة هي منظومة متماسكة ومرنة ومتعددة المستويات، تمتلك القدرة على التكيف والتجدد واستيعاب الضربات، وتحويل التحديات إلى فرص، الأمر الذي منحها قدرة استثنائية على البقاء والاستمرار رغم أعنف حملات الاستهداف التي شهدتها المنطقة في تاريخها المعاصر.
وخلال المواجهات الأخيرة، أظهرت إيران واليمن ومحور المقاومة مستوىً متقدمًا من القدرة العملياتية والدقة العسكرية والجاهزية الاستراتيجية، عبر توجيه ضربات نوعية طالت أهدافا حساسة ومنشآت حيوية وقواعد ذات أهميّة بالغة، في رسالة لا لَبْسَ فيها مفادها أن أية حرب استفراد على جبهة واحدة من جبهات المحور هي حرب شاملة ولن تكون نزهةً لأحد، وأن استمرارها سيهدّد منظومات الطاقة العالمية وشبكات التجارة الدولية والاستقرار الاقتصادي الإقليمي والدولي على حَــدّ سواء.
إن أعظم ما حقّقته الجمهورية الإسلامية ومحور المقاومة في هذه الجولة التاريخية يتمثل في إسقاط الأهداف الاستراتيجية للعدو كاملةً، وتحويل مشروع العدوان من فرصةٍ لتفكيك محور المقاومة إلى محطة جديدة لتعزيز قوته وترسيخ حضوره وتوسيع دائرة تأثيره.
فقد أخفقت سياسةُ الضغط الأقصى، وفشلت العقوبات الاقتصادية الخانقة، وتهاوت رهانات الحصار والعزل والاستنزاف، وعجزت القوة العسكرية الأمريكية والصهيونية، رغم ما تمتلكه من إمْكَانات هائلة، عن تحقيق الغايات التي خُطط لها بعناية على مدى عقود.
وفي نهاية المطاف، وجدت القوى الكبرى نفسَها أمام حقيقةٍ لا يمكن إنكارها، وهي أن محور المقاومة أصبح حقيقة استراتيجية راسخة وجزءًا أصيلًا من معادلات القوة الإقليمية والدولية، وأن أي مشروع لمستقبل المنطقة لا يأخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار محكومٌ عليه بالفشل قبل أن يبدأ.
وهكذا، فإن هذه الجولة من الصراع أفضت إلى انتصار عسكري وسياسي واستراتيجي ومعنوي عميق، أعاد رسم خطوط التوازن، وكسر أوهام الهيمنة المطلقة، وأثبت أن زمن الإملاءات الأحادية يقترب من نهايته، وأن إرادَة المقاومة باتت رقمًا صعبًا في معادلات التاريخ والجغرافيا والسياسة.