معادلة “المضائق” في مواجهة الإجرام الصهيوني


بقلم. مبارك حزام العسالي

أيام قليلة عقبت الإعلان عن التوقيع عن بُعد على “مذكرة تفاهم إسلام آباد” المؤلفة من 14 بندًا بين طهران وواشنطن في 15 يونيو 2026، حتى بدأت تتكشف ملامح مرحلة جديدة من الصراع الإقليمي والدولي؛ مشهد سريع التحول يضع الاتّفاق الوليد فوق صفيح ساخن، وينقل الأطراف من أروقة الدبلوماسية القلقة إلى نار المعادلات الميدانية والسياسية المفروضة قسرًا على الأرض، ليعيد رسم خريطة المنطقة بأسرها وفق موازين قوى مغايرة.

بيان “خاتم الأنبياء”: منظومة الخنق المزدوج والسيادة العملياتية

​لم يكن الإعلان الصادر عن مقر “خاتم الأنبياء” المركَزي في إيران بإعادة إغلاقِ مضيق هرمز خطوةً عسكريةً عابرة، فقد جاء كإجراء ردعي مباشر؛ طهران عبر هذا الإغلاق، وضعت واشنطن وكيان الاحتلال الصهيوني أمام استحقاق حتمي لتنفيذ “البند الأول” من مذكرة التفاهم الذي ينص صراحة على الإنهاء الفوري للعمليات العسكرية ورفع الحصار البحري.

​ويكتسب إغلاق مضيق هرمز اليومَ دلالةً استراتيجيةً مضاعفةً بالنظر إلى التسلسل الزمني للأزمة؛ فالإغلاق الحالي جاء مكملًا للخطوة الاستباقية التي اتخذتها القوات المسلحة اليمنية من صنعاء قبل ساعات قليلة من التوقيع على مذكرة التفاهم.

فقد استأنفت صنعاء فرض الحظر الشامل للملاحة المرتبطة بكيان الاحتلال في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، بعد أن كانت قد أوقفت هذا الحصار سابقًا عند توقيع اتّفاق غزة، لتعود إليه مجدّدًا كرسالة ضغط ميدانية حاسمة قبل التوقيع الأخير على مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن.

​هذا التوقيت لم يكن عفويًّا، بل عكس “قوة الصدمة الميدانية” التي فرضتها صنعاء لرفع سقف المفاوضات الإيرانية-الأمريكية، والتأكيد على أن أي تفاهم لا يتضمن رفع الحصار الشامل عن المحور هو تفاهم منقوص.

هذه الخطوات المتزامنة تترجم عمليًّا استراتيجية “الردع الجيو-اقتصادي” عبر تفعيل منظومة “الخنق المزدوج” (مضيق هرمز شرقًا وباب المندب غربًا)، حَيثُ نجح هذا التناغم في جعل أمن الممرات البحرية وإمدَادات الطاقة العالمية حزمة واحدة لا تتجزأ مع أمن الجبهات الحليفة، مجهضةً بذلك محاولات الإدارة الأمريكية لتجزئة المسارات الدبلوماسية أَو تمرير الوقت لصالح مناورات حكومة الاحتلال.

​وتحمل خطوة إعادة إغلاق مضيق هرمز اليوم دلالة جيوسياسية بالغة؛ فهي تتجاوز الإعلان النظري لتكرّس فرض السيادة الإيرانية العملية كسلطة أمر واقع على هذا الممر المائي الحرج، مبرهنة على قدرتها العالية في ضبط الإيقاع السياسي الإقليمي في ربع الساعة الأخير من المفاوضات دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة.

​التداعيات الجيواقتصادية والشلل البنيوي لحركة التجارة

​بحلول منتصف عام 2026، تجاوزت أزمة المضائق تصنيفها كاضطراب عابر في سلاسل الإمدَاد لتستقر كتحول هيكلي أعاد صياغة هندسة الملاحة الدولية وفق “وضع طبيعي جديد”.

وتوثق المؤشرات الدولية خلال النصف الأول من عام 2026 انكماشًا مستدامًا في حركة العبور عبر قناة السويس بنسبة تتراوح بين 55 % و60 % مقارنة بمعدلاتها الطبيعية قبل أُكتوبر 2023، مما تسبب في تحويل قسري لمسار ما يربو على 4000 سفينة حاويات سنويًّا نحو طريق رأس الرجاء الصالح، الأمر الذي أضاف عبئًا زمنيًّا يتراوح بين 10 و14 يومًا للرحلة الواحدة.

​هذا الانزياح الجيواقتصادي أَدَّى إلى تفاقم ظاهرة “التضخم اللوجستي” وإبقاء مؤشرات الشحن العالمي مرتفعة بنسبة 180 % فوق متوسطاتها التاريخية، مدفوعًا بضغوط استهلاك الوقود الإضافي وتصاعد أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب لتلامس عتبة 1 % من قيمة السفينة في العبور الواحد.

بالنسبة للكيان الصهيوني، كانت هذه التداعيات أكثر عمقًا وتدميرًا؛ حَيثُ يواجه ميناء أن الرشراش المسمى إسرائيليًّا “إيلات” —المنفذ البحري الجنوبي الوحيد للاحتلال— حالة شلل بنيوي شبه تام مع انخفاض إيراداته السنوية إلى مستويات تقترب من الصفر، بالتوازي مع ارتفاع تكاليف السلع الاستهلاكية بنسبة تتراوح بين 15 % و20 % نتيجة طول المسار البديل، مما ساهم في استمرار معدلات التضخم الداخلي الحاد.

تسريبات “واشنطن بوست” والارتباك السياسي والعسكري الصهيوني

​هذه الديناميكية الخشنة في المضائق والاستنزاف الاقتصادي يفسران تمامًا طبيعة الحراك المرتبك داخل أروقة القرار في كيان الاحتلال.

فوفقًا لما كشفته القناة 12 العبرية، أوعز بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس للجيش بوقف عملياته جنوبي لبنان، في خطوة تكتيكية تهدف إلى امتصاص الصدمة الإقليمية والدولية ومحاولة تفادي التصعيد الشامل، لكن مع التمسك بالمواقع الحالية لتجنب دفع استحقاق “الانسحاب الكامل”.

​ويتطابق هذا التراجع الاضطراري بدقة مع ما سربته صحيفة “واشنطن بوست” بشأن تحذيرات الاستخبارات الأمريكية العاجلة للبيت الأبيض من وجود نوايا وتخطيط صهيوني لتخريب التفاهم الأخير مع طهران من خلال عمليات أمنية موازية.

نتنياهو يعيش هاجس الهزيمة الساحقة أمام جمهوره في حال إقرار الانسحاب دون تحقيق أهدافه المعلنة، مما يدفع سلطات الاحتلال للبحث عن أي صيغة شكلية تحفظ ماء وجهها، في حين يستمر الميدان في فرض شروطه القاسية بلا هوادة.

مأزق الاستنزاف الأمريكي وتحَرّكات “جي دي فانس”

​على المقلب الأمريكي، يبرز الحضور الإعلامي الكثيف والمُستمرّ لنائب الرئيس الأمريكي “جي دي فانس” واضعًا محدّدات جديدة تطرح تعريفًا مغايرًا لطبيعة العلاقات الأمريكية-الصهيونية ومحدّداتها.

تصريحات فانس وانتقاده الحاد لوزراء في حكومة نتنياهو هاجموا اتّفاق إسلام آباد، تظهر بوضوح حجم الضغوط الارتدادية العنيفة إلى الداخل الأمريكي نتيجة تعطل الشرايين البحرية الحيوية.

​وحين يذكّر فانس حكومة الاحتلال علنًا بأن ثلثي أسلحتها صُنعت وتم تمويلها بأموال دافعي الضرائب الأمريكيين، فإنه يعكس قناعة النخبة الحاكمة في واشنطن بضرورة وقف حروب الاستنزاف البحرية المكلفة.

فقد اختبرت الإدارات الأمريكية المتعاقبة حدود القوة العسكرية في البحر الأحمر، وعجزت منظوماتها التقليدية —مثل عملية “حارس الازدهار” نهاية عام 2023 وعملية “رايدر الخشن” الاستباقية في مارس 2025— عن تفكيك القدرات الصاروخية لفاعلي الجغرافيا البحرية، مما اضطر حتى حاملات الطائرات الأمريكية في بعض الأحيان إلى تغيير مساراتها، والاعتراف بتعثر مفاعيل الاتّفاق الضمني المبرم في مايو 2025.

وبناءً عليه، يترجم حراك فانس واقعين رئيسيين:

​الأول: ممارسة ضغط علني غير مسبوق خلف الكواليس لإجبار كيان الاحتلال الصهيوني على الانصياع ومطابقة التزاماته لحماية المذكرة، خَاصَّة بعد لجوء طهران لتعليق وتجميد المسار الفني لمحدادت سويسرا.

​الثاني: إدراك الإدارة الأمريكية لتحولات الرأي العام الداخلي والموجة السياسية القادمة الرافضة لكلفة الحروب المفتوحة، مما يدفعه لبدء معركته الرئاسية مبكرًا بخطاب يضع المصالح الاقتصادية الأمريكية أولًا.

​إذن..

​يؤكّـد المشهد الراهن المحكوم بمعطيات يونيو 2026 أن توقيع مذكرة التفاهم لم ينهِ الصراع التاريخي بل نقل أدواته التنفيذية؛ فالأهداف العسكرية الصهيونية واجهت تراجعًا قسريًّا واضحًا يترجمه رضوخ نتنياهو لوقف العمليات “مؤقتًا” تحت وطأة الحصار والضغوط البحرية وسلطة السيادة العملية على المضائق الحيوية.

​ورغم ذلك، لن تكون فترة الـ 60 يومًا الانتقالية المقرّرة برعاية مجلس الأمن للوصول إلى اتّفاق نهائي تهدئة مجانية أَو مسارًا دبلوماسيًّا سهلًا، بل ستبقى معركة إرادات سياسية وعسكرية شرسة ومفتوحة على كافة الاحتمالات، تثبت فيها “قوة الميدان” و”الردع الجيواقتصادي” أنهما المرجعية الوحيدة القادرة على صياغة وتثبيت الواقع الجيوسياسي الجديد في المنطقة.